«مالقوش في الورد عيب قالوا ميرفت أمين عجّزت».. نجوم الفن وأبناؤهم في مرمى نيران التنمر
لايف ستايل

«مالقوش في الورد عيب قالوا ميرفت أمين عجّزت».. نجوم الفن وأبناؤهم في مرمى نيران التنمر


حين تخيّل الكاتب الراحل عبد الرحمن الشرقاوي، سيدنا الحسين، وهو يتكلم في مسرحيته الشعرية الشهيرة “الحسين ثائرًا”، قال على لسانه واحدة من أعظم الحِكَم الإنسانية التي تلخص القيم النبيلة في الحفاظ على “شرف الكلمة”، حين قال: “الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور”، بين المعنى، ومضاده اتضحت الرؤية.

ولله المثل الأعلى، جاء في كتابه العزيز، في سورة إبراهيم: “ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار”، كما قال: “يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم، عسى أن يكونوا خيرًا منهم”.. .

ويشير الإصحاح السادس، من سفر الأمثال بالكتاب المقدس، إلى “ستة أشياء يكرهها الرب، سبعة منها مقيتة له: عيون متغطرسة، لسان كاذب، أيد تلقي بقايا دماء أبرياء، قلب يبتكر مخططات شريرة، أقدام تسرع في الشر، وشاهد زور يخرج الأكاذيب، والشخص الذي يثير الصراع في المجتمع”.

وحين وصف الفيلسوف الروماني الكلمة بأنها “خنجر لا يُرى”، اختار وصف “الخنجر” دون بقية الأسلحة، ربما لاقتران الخنجر بـ”الغدر”، و”الخيانة”، فكم من أحداث قتل وقعت في التاريخ باستخدام الخنجر، في غفلة من الحراس، طعنة خفية في الظلام بأيدٍ غادرة.

كانت مقدمة لا بد منها، بدلاً من استخدام ألفاظ “يعاقب عليها القانون”، ضد كل من يجرح مشاعر الآخرين، يؤذيهم نفسيًّا، “يتنمر عليهم”، وفق اللفظ المستحدث الذي أقرته المنظمات الإنسانية العالمية، بالكلمة واللفظ والسخرية، و”التنابز بالألقاب”، عبر الفضاء الإلكتروني الذي استباح فيه البعض دماء الأبرياء، وأصبح من السهل لكل نفس مريضة، بمجرد ضغطة زر على كيبورد، أو حتى بـ”لمسة/ تاتش” رقيقة، أن تهوي بـ”فأس صلبة” على رؤوس الأبرياء، أو تطعنهم، غدرًا، بـ”خناجر الكلمات” فينزفون دماء الألم والحزن، ويسمع أنينهم الله، بعد أن أصيبوا على الملأ، وأمام أقرب الناس، بمجرد نشر “صورة” في أروقة الفضاء الإلكتروني الذي تحوّل إلى ساحة حرب سهلة لكل من هب ودب.

تلك الساحة الجهنمية، التي أصبح من السهل أن يدخلها الجميع، يعيثون فيها فسادًا، يؤذون خلق الله، يشكلون لجانًا إلكترونية هدفها الاغتيال المعنوي، وهو أقسى من “التصفية الجسدية”، خفافيش ظلامية تعشش، وتتغلغل في عالم افتراضي وهمي اختلطت فيه أوهام النرجسية، والعُقد النفسية، بالواقع الحقيقي، وبعد أن كان الفنان بعيدًا “محميًا” في عالم النجوم، ومجرة الشهرة، أصبح الآن في مهب السوشيال ميديا تتقاذفه سهام التجريح، وخناجر التنمر، لمجرد أنه يمارس حقه الطبيعي أن يعيش “إنسانًا على طبيعته”، في بعض الأحيان.

حين ذهبت أيقونة الجمال، الفنانة ميرفت أمين، إلى عزاء صديق عمرها المخرج الكبير علي عبد الخالق، كان من البديهي أن تذهب “ميرفت الإنسانة”، وتخلع أقنعة النجومية، ولا تضع المساحيق، فهي في لحظة مواجهة مع ضربات القدر، في محراب الموت المقدس، عاشت لحظة الوداع الحقيقية، وهي “إنسان حقيقي”، ولكن في وجود “عوالم خفية” من “خفافيش التنمر”، انهالت خناجر التجريح، لا لشيء إلا لكونها امرأة تسري عليها سنن الكون، وتبدو عليها علامات الزمن التي لا ترحم.

المسألة ليست مجرد تجاعيد حفرت طريق الشيخوخة، على وجه امرأة، ولكنها النجمة الساطعة التي فتنت القلوب، وبعيدًا عن فلسفة الزمن، ماذا لو كانت ميرفت أمين ذهبت للعزاء بكامل زينتها، وهي الأجمل في كل مراحل عمرها؟ ماذا كانوا سيقولون عنها؟ ماذا كانوا سيكتبون في “أوكار السوشيال ميديا”؟ بالتأكيد كانوا سيضاعفون حملة الهجوم، فما الذي اختارته ميرفت؟ اختارت أن تكون على طبيعتها في لحظة إنسانية فارقة، ولتذهب النجومية إلى الجحيم، حتى ولو على حساب الوجع.

ولكن.. ماذا عن قسوة القلوب؟ تلك القسوة التي دعت الفنان القدير توفيق عبد الحميد إلى التصريح بأنه لن يظهر بـ”العكاز” الذي يستند إليه بعد أن أصبحت قدمه لا تقوى حمل جسده العجوز، هل يرضى عنه هؤلاء المتنمرون الذين يقتاتون على الوجع، ويستمتعون بالضغط على مناطق الضعف الإنساني، ويلقون بسهام الإهانات إذا أخفى النجم تفاصيل حياته الشخصية، وارتدى قناع النجومية الذي يحميه من مخاطر السوشيال ميديا، فإذا ظهر في مكان ورفض أن يسلم نفسه لـ”زحام همجي”، أو رفض أن يستهلك ساعات في التصوير مع جمهور لا يرحم نقاط ضعفه، حينذاك سيتهمه الجميع بالغرور.. ماذا يفعل إذن؟ يمارس نجوميته أم إنسانيته؟.. في الحالتين لا يسلم من التجريح، ولكن الأذى أعمق حين يعيش إنسانيته المجردة من كل الألقاب.

حين أخفى الفنان كريم فهمي وجوه بناته في صور عائلية نشرها، لم يسلم من النقد والتجريح، لدرجة الاشتباكات والتراشق اللفظي، أما النجم محمد رمضان حين نشر صورته مع طفله الصغير “الأسمر الجميل”، انهالت تعليقات جارحة قذرة حول لون بشرة الصغير، والتي دافع عنها رمضان معلنًا فخره بالبشرة السمراء، كذلك الحال بعد نشر صور زفاف شقيقته “إيمان”.. فماذا عساهم يفعلون؟؟

وعلى النقيض، يتنمرون على فنانين لمجرد أن أبناءهم أكثر حظًّا من الجمال، مثلما حدث مع القدير أحمد بدير، والفنانة الراحلة نادية العراقية، وآخرين..

إنها “شيزوفرينيا التنمر”، يتنمرون على فنانات يرتدين المايوهات الساخنة في الساحل الشرير، ويتنمرون أيضًا، في نفس الوقت، على فنانات ينشرن صورهن بملابس الإحرام، وهن في حالة خشوع أمام الكعبة الشريفة، ماذا يريد المتنمرون إذن؟ وأين يكمن رضا الجميع؟ إنها غاية لا تُدرك أبدًا..

بعض الجمهور ينتقد حرية الفنان، أو الفنانة، وربما يتلصص على علاقاتهم العاطفية “السرية”، ومن باب الشيزوفرينيا أيضًا، يتنمرون على صور زوجات الفنانين الذين يحرصون على التقاط الصور العائلية فيما بينهم، علنًا، كما انهالوا بالتجريح لمجرد ردة فعل عفوية من زوجة محبة لزوجها، كندة علوش وعمرو يوسف، حين استظلت به لتشعر بالأمان، خلال وجودها في محفل فني عالمي، كما تعرّض عدد من النجوم للتنمر على “درجة جمال” بعض زوجاتهم، أو “وزنهن الزائد”، ونال عدد من النجوم سيلاً من التجريح بسبب نشر صور مع “بناتهم” لمجرد، فقط أنهن يرتدين ملابس لم تعجب أحد المتنمرين!!!

منصات إطلاق صواريخ التنمر تدفع بعض النجوم للجوء لمباحث الإنترنت في بعض الأحيان، لحمايتهم من لصوص الفرح، وربما يخلع أحد الفنانين عباءة ضبط النفس، ويخرج عن شعوره تمامًا، بصورة تذهل الجماهير، مثلما فعل المطرب السعودي الكبير عبد المجيد عبد الله، حين أعلن مغادرة العالم الافتراضي، مطلع 2020م، عقب مشادات كلامية مع أحد متابعيه، دخل النجم الكبير (المعروف بهدوئه)، في نوبة انفلات عصبي، وكتب ألفاظًا غريبة على قاموسه المهذب الراقي، وكتب: “طز في الفن، وطز في تويتر، وطز في كل إنسان أرسل كلامًا جارحًا”.

إهانة الفنانين والتنمر عليهم، يتخفى أحيانًا تحت ستار حرية التعبير عن الرأي، رافعًا شعار أن الفنان “ملكية عامة”، وأن حياته الشخصية التي ينشرها بمحض إرادته، هي “مشاع” أمام الجميع، (لها ما لها وعليها ما عليها)، تلك التفاصيل التي تكون مغرية لنفوس حاقدة حاسدة تستكثر على النجوم أن يعيشوا حياة مرفهة، لا يدري أحد الثمن الباهظ الذي يدفعونه مقابل تلك الصور المفعمة بالبهجة والضحكات.

ومن الكوميديا السوداء، أن بعض خناجر التنمر، طعنت نجومًا لمجرد أنهم وجدوا اهتمامًا من المسؤولين حال مرضهم “العضال”، وكأن آلام المرض القاسية لم تشفع لهم لدى جمهور أعطوه من أرواحهم لإسعاده، ووصلت غلظة القلب للتنمر على فنانين بسبب “طقوس جنازاتهم”، يتنمرون على النجوم أحياءً وأمواتاً!!

ووصلت “الخسة” لدى بعض المشوهين نفسيًّا، إلى حد التجريح في فنانة رقيقة (وأم عظيمة) مثل يسرا اللوزي، بسبب “إعاقة طفلتها الصماء”، والتجريح في الملحن الشاب رامي جمال بسبب إصابته بمرض جلدي (بهاق)، وصلنا إلى القاع، بشكل حقيقي، وليس مجازًا، هؤلاء المتنمرون على النجوم، المتاجرون بآلامهم، ربما يحصدون اللايكات، ولكنها (وإن كانت ترجمتها مالية في كثير من الأحيان)، في قانون الإنسانية “ثمن بخس”، مجرد علامات زرقاء تقطر لونًا أحمر مخضبة بدماء القهر والظلم، خطايا لا تغتفر، تعلو جبالاً من الآثام، تخسف صاحبها إلى الدرك الأسفل من القبح في الدنيا، ومصيره أكثر إيلامًا فيما بعد.

تريند أفاق عربية

To Top