شهد خلال العقدين الماضيين تحوّلات عميقة أعادت تشكيل الاقتصاد الرقمي فقد بُنيت معظم نماذج الأعمال الرقمية على فكرة بسيطة لكنها شديدة التأثير: جذب انتباه المستخدم البشري وتحويله إلى قيمة اقتصادية لكن الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً النماذج التوليدية والوكلاء الرقميين القادرين على تنفيذ المهام بشكل مستقل، بدأت تهز الأسس التي قام عليها هذا النموذج
ففي عالم تتولى فيه الآلات البحث والقراءة واتخاذ القرار نيابة عن البشر، لم يعد الانتباه البشري المورد الاقتصادي الوحيد، بل بدأت تتشكل معادلة جديدة تعيد وهنا يبرز سؤال أساسي: هل يقترب عصر الإعلانات القائم على "اقتصاد النقرة" من نهايته
يرى مورغان هاوسل أن النجاح المالي لا يرتبط بمدى ذكائك وبالمثل، لم يكن ازدهار الإنترنت وليد عبقرية تقنية فحسب، بل نتيجة استغلال ذكيّ لما يمكن تسميته "سيكولوجية التصفح"، تلك المقايضة الصامتة التي وهبنا فيها انتباهنا مقابل وصول مجاني إلى المعلومات
لقد قامت ثروات العقدين الماضيين على تتبع "بؤرة عين" المستخدم، لكننا اليوم نواجه تحولاً فالمفارقة الكبرى تكمن في انتقالنا من حقبة "الأدوات التي نتحكم بها" هذا التحول ينهي تدريجياً حقبة المستخدم البشري كهدف تسويقي مباشر، ليحلّ محله الوكيل الرقمي، وهو كيان منطقي لا تستهويه الروابط الجذابة ولا يخضع لإغراءات التصميم
بداية اهتزاز نموذج الإعلاناتلم يعد الإنترنت مجرّد فضاء للمعلومات، بل تحوّل إلى سوق ضخمة تتجاوز عوائده الـ 600 مليار دولار سنوياً من الإعلانات وقد قامت هذه الثروة على معادلة واضحة: "المحتوى المجاني مقابل انتباهك"
لكن هذا ففي تحليل للكاتب كريستوفر ميمز في صحيفة "وول ستريت جورنال"، يشير إلى أن "اقتصاد النقرة" بدأ يتآكل لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبحت قادرة على استخراج الإجابة النهائية مباشرة، من دون أن يضطر المستخدم إلى زيارة الموقع الأصلي
وتذهب مجلة "ذا إيكونوميست" إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أننا نشهد فبدلاً من أن يُنتج أساساً لجذب البشر، أصبح يُنتج ليجري "حصاده" وبهذا المعنى، فإن المحتوى الذي كان يدر أرباحاً عبر الزيارات البشرية بات يُستهلك اليوم عبر أدوات محادثة ذكية مثل "شات جي بي تي" و"كلود" و "جيميناي"، ما يحرم المواقع من عوائد الإعلانات ويحوّلها تدريجياً ومن المرجح أن يتضاعف هذا التأثير مع انتشار الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، الذي لا يكتفي بجمع المعلومات بل ينفذ المهام كاملة نيابة عن المستخدم
معمارية جديدة للويبلمواجهة هذا التحول، بدأ يتشكل ما يمكن تسميته «الويب الموجه إلى الوكلاء»، وهو نموذج لا يخاطب البشر بقدر ما يخاطب يقوم هذا الاتجاه على تقنيات أبرزها بروتوكول سياق النموذج (MCP)، الذي طورته شركة "أنثروبيك"، والذي يسمح للأنظمة الذكية بفهم سياق البيانات والتفاعل معها من دون الحاجة إلى بناء واجهات برمجة منفصلة لكل خدمة، كما يبرز مفهوم الويب اللغوي (NLWeb)، الذي تعمل عليه "مايكروسوفت"، ويهدف إلى تحويل المواقع إلى صفحات دلالية مهيأة للتفاعل المباشر مع الآلات بدلاً من المستخدمين البشر
في هذا النموذج الجديد، لا ينتظر الموقع "نقرة" من المستخدم، بل يقدم معلومات منظمة تستطيع الأنظمة الذكية التقاطها وتنفيذ المهام عبرها بسرعة كبيرة
اقتصاد جديد للويبمع تراجع الزيارات البشرية، تبرز تساؤلات حول ومن بين الأفكار المطروحة نموذج "الدفع لكل مخلب" (Pay-per-Claw)، الذي يقوم على مبدأ بسيط: "إذا لم يعد البشر هم من يزورون المواقع، فقد تصبح وكلاء الذكاء الاصطناعي هي من تدفع مقابل الوصول إلى البيانات أو تنفيذ المهام"
وقد يتحقق ذلك عبر رسوم مجهرية صغيرة يدفعها الوكيل مقابل وفي هذه الحالة، قد تنتقل القيمة الاقتصادية من "جذب الانتباه البشري" إلى "تمكين الوكلاء" من تنفيذ المهام بكفاءة
في المحصلة، يتبلور أمامنا مشهد لإنترنت مختلف؛ إنترنت لا تُقاس فيه قوة المنصة بجمال واجهتها أو قدرتها على جذب النقرات، بل بمدى كفاءة بنيتها إنه انتقال تدريجي من ضجيج الإعلانات إلى صمت الخوارزميات، حيث من المحتمل أن يصبح الاقتصاد الرقمي في المستقبل شبكة من الوكلاء الأذكياء الذين يتفاوضون ويتعاملون في ما بينهم بعيداً عن أعين البشر
*مستشار مالي للتكنولجيات الجديدة