محمود عطية يكتب: صواريخ فوق الخليج
في أوقات الأزمات الكبرى تتكشف حقائق كثيرة كانت ربما خافية خلف ضجيج السياسة وضباب الخطاب الإعلامي.
فالحروب ليست مجرد صواريخ تنطلق في السماء ولا بيانات عسكرية تصدرها الحكومات بل هي قبل كل شيء اختبار حقيقي لقدرة الدول على الصمود وقدرة الشعوب على التماسك وقدرة القيادات السياسية على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى فوضى إقليمية لا يمكن التحكم في نتائجها.
وقد أتيحت لي فرصة متابعة جانب من هذه الأزمة عن قرب أثناء وجودي في أبوظبي قبل اندلاع موجة الاعتداءات الصاروخية بثلاثة أيام فقط.
كانت زيارة عادية في ظاهرها لكنها تحولت فجأة إلى تجربة استثنائية جعلتني أراقب تطورات الأحداث لحظة بلحظة من داخل مدينة أصبحت هدفا مباشرا للصواريخ. لقد تأخرت عودتي إلى القاهرة بطبيعة الحال نحو ثمانية أيام بسبب الظروف الأمنية والاحتياطات التي اتخذتها السلطات في المنطقة.
وخلال تلك الفترة عايشت عن قرب كيف تعاملت دولة الإمارات العربية المتحدة مع وضع بالغ الخطورة.
فالهجمات الصاروخية التي تعرضت لها أبوظبي لم تكن مجرد حوادث متفرقة بل كانت سلسلة من الضربات المتتابعة التي هدفت بوضوح إلى بث الرعب وإرباك الحياة العامة وإرسال رسالة سياسية وعسكرية في آن واحد.
ومع ذلك فإن المشهد الذي رأيته على أرض الواقع كان مختلفا عما قد يتخيله كثيرون ممن يتابعون الأحداث من بعيد.
فالقوات المسلحة الإماراتية وبخاصة قوات الدفاع الجوي أظهرت كفاءة لافتة في التعامل مع هذا التهديد.
فبحسب ما تم الإعلان عنه خلال الأيام الأولى من التصعيد بلغ عدد الصواريخ التي أطلقت باتجاه أبوظبي مئة وسبعة وثلاثين صاروخا خلال ستة أيام فقط.
وتمكنت منظومات الدفاع الجوي من اعتراض مئة واثنين وثلاثين صاروخا منها في الجو قبل أن تصل إلى أهدافها.
أما الصواريخ الخمسة الأخرى فقد سقطت في البحر دون أن تتسبب في أضرار مباشرة داخل المدينة.
وهذه الأرقام في حد ذاتها تعكس حجم الضغط العسكري الذي تعرضت له العاصمة الإماراتية لكنها في الوقت ذاته تشير إلى درجة عالية من الجاهزية التقنية والعملياتية لدى منظومات الدفاع الجوي التي تصدت لهذه الهجمات.
غير أن ما لفت انتباهي أكثر من الجانب العسكري كان المشهد الشعبي داخل المدينة.
فقد لاحظت رباطة جأش واضحة لدى سكان أبوظبي، لم تكن هناك حالة هلع جماعي كما قد يتوقع البعض في ظل سقوط هذا العدد الكبير من الصواريخ.
كانت الحياة تسير بصورة طبيعية إلى حد كبير، المحال التجارية مفتوحة وحركة المرور مستمرة والناس يمارسون حياتهم اليومية بدرجة لافتة من الهدوء والثقة، ويعود جزء مهم من هذا الشعور بالطمأنينة إلى الدور الذي لعبته الأجهزة الأمنية في التواصل المستمر مع المواطنين والمقيمين. فبمجرد رصد أي صاروخ كانت تصل إلى الهواتف المحمولة رسائل إنذار تحذيرية تطلب من الجميع اتخاذ الاحتياطات اللازمة والبقاء في أماكن آمنة حتى تتعامل الدفاعات الجوية مع التهديد.
وبعد دقائق قليلة فقط كانت تصل رسالة أخرى تؤكد نجاح عملية التصدي وتطمئن الناس إلى أن الوضع أصبح تحت السيطرة.
هذا النمط من التواصل السريع والشفاف ساهم في الحفاظ على إيقاع الحياة الطبيعية داخل المدينة ومنع انتشار الشائعات أو حالة الارتباك التي قد تنتج عن غياب المعلومات الدقيقة.
ورغم هذا التماسك الواضح فإن الجانب الإنساني للحرب لا يمكن تجاهله، فحتى في المدن التي تواصل حياتها بشكل طبيعي يبقى هناك قلق مكتوم في النفوس.
فالعائلات تتابع الأخبار بترقب والأطفال يسألون عن أصوات الانفجارات البعيدة وصفارات الإنذار والمقيمون الأجانب يتساءلون عن مصير إقاماتهم وأعمالهم إذا طال أمد الصراع، إن الحرب حتى عندما لا تقتل فإنها تزرع القلق في القلوب وتترك آثارا نفسية عميقة قد تستمر طويلا بعد توقف القتال.
ومن هنا بدأت تتشكل في ذهني تساؤلات أعمق تتجاوز حدود الحدث المباشر، فقد كتبت في ذلك الوقت عدة تساؤلات حول معيار الحرب التي اندلعت ضد إيران بعد اغتيال المرشد الإيراني ومعه عشرات القيادات السياسية والعسكرية التي قيل إن عددها وصل إلى ستة وأربعين شخصية بارزة.
كان السؤال الأساسي بسيطا في ظاهره لكنه معقد في جوهره، ماذا بعد هذه الضربة وما هو الهدف الاستراتيجي الحقيقي منها.
الأهم من ذلك هو السؤال الذي يخص دول الخليج العربية نفسها، ما ذنب هذه الدول في أن تتحول أراضيها إلى ساحة للصراع بين قوى كبرى وإقليمية.
هذه الدول ليست طرفا مباشرا في القرارات التي أدت إلى تفجير هذا الصراع ومع ذلك تجد نفسها في قلب المواجهة، بل إن بعضها يستضيف قواعد عسكرية أمريكية ضخمة يفترض أن وجودها يهدف إلى حماية أمن المنطقة وردع أي تهديدات محتملة.
وهنا يبرز تساؤل منطقي لا يمكن تجاهله، ماذا قدمت هذه القواعد فعليا عندما بدأت الصواريخ تتجه نحو مدن الخليج.
إن وجود القواعد العسكرية الأجنبية في أي دولة غالبا ما يتم تبريره باعتباره جزءا من منظومة ردع دفاعية تحمي الاستقرار الإقليمي.
لكن الأحداث الأخيرة طرحت علامات استفهام حقيقية حول فعالية هذا الترتيب الأمني، فحين تتعرض المدن الخليجية لهجمات مباشرة يصبح من المشروع أن يتساءل الرأي العام عن الدور الحقيقي الذي تلعبه تلك القواعد وعن حدود التزامات القوى الكبرى تجاه حلفائها.
ولا يمكن فهم هذه الأزمة دون التطرق إلى الدور الإسرائيلي الذي كان في نظر كثيرين العامل الأساسي في إشعال شرارة الحرب، فقد بدأت المواجهة بضربة إسرائيلية واسعة ضد إيران قيل إنها تمت بمباركة أمريكية كاملة.
وتشير تقارير إعلامية متعددة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مارس ضغوطا قوية على الإدارة الأمريكية من أجل تبني هذا الخيار العسكري.
بل إن بعض التصريحات التي نسبت إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدثت صراحة عن تأثير الدوائر المقربة منه بما في ذلك صهره في دفع هذا المسار.
مهما يكن مدى دقة هذه الروايات فإن النتيجة على الأرض كانت واضحة، فقد تحولت المنطقة بسرعة إلى ساحة توتر مفتوحة، وبدلا من احتواء الأزمة اتسعت رقعة المواجهة لتشمل أطرافا لم تكن ترغب أصلا في الدخول في هذه الحرب.
ومن هنا جاء الشعور المتزايد لدى كثير من المراقبين بأن المنطقة قد دخلت مرحلة من عدم اليقين السياسي والعسكري يصعب التنبؤ بمآلاتها.
وفي خضم هذه التطورات برزت مشكلة أخرى تتعلق بالخطاب السياسي والإعلامي الذي رافق الأزمة، فقد اتهم كثيرون الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتبني خطاب متقلب ومليء بالتناقضات.
فالتصريحات كانت تتغير من ساعة إلى أخرى أحيانا بين التهديد والتراجع وبين النصر والحديث عن مفاوضات محتملة، هذا النمط من الخطاب ترك انطباعا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي بأن الإدارة الأمريكية نفسها ربما لم تكن تمتلك رؤية واضحة لما تريد تحقيقه في نهاية المطاف.
بل إن بعض المراقبين ذهبوا إلى أبعد من ذلك معتبرين أن ترامب وجد نفسه في مأزق سياسي حقيقي بعد تصاعد الأزمة بشكل لم يكن متوقعا.
فالحرب التي بدت في البداية وكأنها عملية محدودة تحولت تدريجيا إلى صراع مفتوح يهدد الاستقرار في منطقة تعد من أهم مناطق العالم من حيث الطاقة والاقتصاد والجغرافيا السياسية.
فمنطقة الخليج العربي ليست مجرد مساحة جغرافية بل هي شريان رئيسي للطاقة العالمية، وأي اضطراب أمني فيها ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.
فقد بدأت الأسواق المالية تبدي قلقا واضحا مع تصاعد التوتر كما شهدت أسعار النفط ارتفاعات متتالية نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات أو تهديد طرق الملاحة البحرية في الخليج ومضيق هرمز، وهذا يعني أن آثار الحرب لا تقتصر على الدول المتحاربة وحدها بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره.
كما أن هذه الحرب كشفت مرة أخرى عن البعد الجيوسياسي الأوسع للصراع في الشرق الأوسط. فالقوى الكبرى مثل روسيا والصين تراقب هذه التطورات بدقة شديدة. فكلتا الدولتين تسعيان إلى توسيع نفوذهما السياسي والاقتصادي في المنطقة مستفيدتين من أي فراغ قد ينشأ نتيجة تراجع الدور الأمريكي أو انشغاله بأزمات أخرى. وهذا ما يجعل الصراع في الشرق الأوسط جزءا من لعبة توازنات دولية أكبر تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى.
لكن الرأي العام في العالم العربي والإسلامي لم يكن موحدا في تقييم ما جرى. فقد انقسمت الآراء بشكل واضح. فهناك من أدان بشدة الضربة التي استهدفت القيادة الإيرانية واعتبرها انتهاكا صارخا لسيادة دولة عضو في المجتمع الدولي. هؤلاء رأوا أن ما حدث يمثل سابقة خطيرة يمكن أن تفتح الباب أمام فوضى دولية تقوم على مبدأ الاغتيالات السياسية بدلا من قواعد القانون الدولي.
في المقابل أبدى آخرون مخاوفهم من أن تؤدي هذه الحرب إلى تأجيج الصراع الطائفي في المنطقة بين السنة والشيعة. وقد أشار بعضهم إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ربما يحاول استغلال هذه الانقسامات التاريخية لتعميق حالة الاستقطاب داخل العالم الإسلامي بما يخدم مصالح إسرائيل الاستراتيجية.
وفي الوقت نفسه كان هناك موقف واضح يدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربية. فكثيرون اعتبروا أن استهداف المدن الخليجية بالصواريخ لا يمكن تبريره تحت أي ظرف لأنه يطال دولا لم تكن طرفا مباشرا في قرار الحرب. وأنا شخصيا كتبت في ذلك الوقت تساؤلا مباشرا وهو ماذا ذنب دول الخليج في هذه الحرب. لماذا تتحمل شعوب هذه الدول تبعات صراع لم تكن هي من أشعل نيرانه. الأمر الأكثر إثارة للاستغراب في نظر كثيرين كان ما اعتبروه غيابا واضحا للاهتمام الأمريكي بمعاناة حلفائه في الخليج رغم العلاقات الاقتصادية والعسكرية الضخمة التي تربط الطرفين. فهذه الدول أنفقت على مدى عقود مئات المليارات من الدولارات في صفقات التسليح وفي الشراكات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. ومع ذلك بدا وكأن واشنطن لا تبدي القدر نفسه من الحماس عندما يتعلق الأمر بحماية أمن هذه الدول بشكل مباشر.
وفي الجانب الآخر من المشهد برزت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي أثارت جدلا واسعا في المنطقة. فقد تحدث بكل صراحة عن رغبته في تغيير الشرق الأوسط مؤكدا أن ضرب إيران يمثل خطوة في هذا الاتجاه. هذا الخطاب أثار استياء الكثيرين الذين رأوا فيه تعبيرا عن طموح سياسي يتجاوز حدود الدفاع عن الأمن الإسرائيلي ليصل إلى محاولة فرض دور قيادي على المنطقة بأكملها.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو من أعطى لأي زعيم في العالم الحق في أن يقرر وحده شكل المستقبل السياسي والجغرافي للشرق الأوسط. إن المنطقة تضم عشرات الدول ومئات الملايين من البشر ولكل دولة مصالحها وخصوصياتها. ولذلك فإن الحديث عن تغيير الشرق الأوسط بقرار أحادي يبدو للكثيرين أقرب إلى الطموح الشخصي منه إلى مشروع سياسي واقعي. ولعل أكثر ما أثار الجدل في تصريحات نتنياهو هو حديثه عن القضاء على ما وصفه بالتطرف الشيعي والسني في آن واحد. فمثل هذا الخطاب يثير مخاوف حقيقية من استخدام الانقسامات المذهبية كأداة سياسية في صراعات إقليمية معقدة. كما أنه يتجاهل حقيقة أن بعض الدول السنية تقيم علاقات سياسية أو أمنية مع إسرائيل نفسها. وهو ما يجعل هذا التعميم الواسع موضع تساؤل وانتقاد.
وفي ظل كل هذه التعقيدات أصبح من الصعب على المراقبين أن يتوقعوا بدقة ما الذي قد يحدث بعد ذلك. فالمعلومات المتاحة للجمهور أصبحت محدودة للغاية خاصة مع القيود التي فرضتها بعض الحكومات على التغطية الإعلامية لما يجري داخل حدودها. وفي حالة إسرائيل تحديدا بدا أن الحكومة حريصة على التحكم الكامل في تدفق الأخبار والصور القادمة من الداخل وهو أمر تلجأ إليه دول عديدة في زمن الحروب لكنه يثير أيضا تساؤلات حول حقيقة ما يحدث خلف الكواليس.
إن التوتر بين إيران والغرب ليس وليد اللحظة بل هو امتداد لصراع طويل يعود إلى عقود مضت منذ الثورة الإيرانية وما تبعها من أزمات سياسية واقتصادية وعسكرية متلاحقة. ولذلك فإن ما نشهده اليوم قد يكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات غير المباشرة التي شهدتها المنطقة عبر السنين.
وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي الأهم الذي يفرض نفسه على الجميع. هل كان الهدف الحقيقي من هذه الحرب هو إسقاط النظام الإيراني أم مجرد إعادة رسم ميزان الردع في المنطقة وإرسال رسالة قوة سياسية وعسكرية.
حتى الآن يبدو أن هذه الحرب رغم ما سببته من دمار وخسائر بشرية لم تحقق نتيجة حاسمة لأي طرف من الأطراف. فإيران تعرضت لضربة قاسية في قيادتها لكنها ما زالت قادرة على الرد. وإسرائيل أثبتت قدرتها العسكرية لكنها لم تستطع إنهاء التهديد بشكل كامل. أما الولايات المتحدة فتجد نفسها مرة أخرى في قلب أزمة شرق أوسطية معقدة لا تبدو لها نهاية واضحة في الأفق. وفي النهاية تبقى الحقيقة المؤلمة أن الشرق الأوسط أصبح في كثير من الأحيان ساحة لصراعات تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية بينما تدفع شعوبه الثمن الأكبر. فالمدن التي تتعرض للقصف والاقتصادات التي تهتز والأسر التي تعيش القلق والخوف هي كلها وجوه مختلفة لثمن الحروب.
وربما يكون الدرس الأهم من كل ما جرى هو أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها أن تصنع سلاما دائما. فالسلام الحقيقي يحتاج إلى رؤية سياسية شجاعة تعترف بمصالح جميع الأطراف وتسعى إلى بناء نظام إقليمي يقوم على التعاون بدلا من المواجهة. وحتى يتحقق ذلك سيظل الشرق الأوسط يعيش على إيقاع الأزمات المتلاحقة التي تندلع فجأة ثم تترك وراءها أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات.