في سباقٍ متسارع نحو "مواكبة العصر"، تتجه الجامعات في لبنان إلى إدخال في العملية، وكأن التحدّي تُشترى المنصات، تُطلق المبادرات، وتُصاغ السياسات… لكن السؤال الذي يُؤجَّل دائمًا هو الأهم
هل الأستاذ الجامعي مستعدّ فعلًا
لا يزال الخطاب السائد حول الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي تتنافس المؤسسات في عرض مظاهر الابتكار، وغالباً ما تُساوي بين التبني فالتكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تُحدث تحولاً في التعليم بمفردها
الأساتذة ينشأ عن ذلك عدم توافقٍ جوهريّ بين الاستثمارات المؤسّسية والنتائج الفعلية، إذ تستثمر الجامعات بكثافة في البرمجيات والمنصات، في حين تُهمل الاستثمار الكافي في القدرات البشرية وفي لبنان، تبدو فكثيراً ما يُنظر إلى التطوير المهنيّ على أنّه تدخّل لمرة واحدة، بدلاً من اعتباره عملية مستدامة، مما يترك الذكاء الاصطناعي دون استثمار فعليّ، ليس لأنه يفتقر إلى الإمكانات، بل لأنه يفتقر إلى التبنّي الفعلي على مستوى التدريسلفهم هذه الفجوة، من الضروري التمييز بين مفهومين غالباً ما يجري الخلط بينهما: التغيير المنهجي والتغيير النظامي
يركّز النهج المنهجي على العمليات، ويتضمن تطبيقاً منظماً خطوةً بخطوة، مثل إطلاق منصات الذكاء الاصطناعي وعلى الرغم من ضرورته، فإنه غير كافٍ بمفرده
أما النهج النظامي، فيتناول النظام الأوسع، ويُدرك أن التغيير الحقيقي يتطلب انسجاماً بين الثقافة المؤسسية، والحوافز، ومن دون هذا التوافق، تفشل حتى المبادرات الأكثر تخطيطاً في تحقيق أثرٍ مستدام
وتؤكد الأدلة المستمدة من دراسة حديثة أُجريت في الجامعة اللبنانية الدولية ضمن قطاع التعليم العالي اللبناني هذه الفكرة، إذ لا تقتصر نتائجها على مؤسّسة بعينها، بل تعكس واقعاً أوسع يطال منظومة التعليم العالي في لبنان ككل
فقد استندت الدراسة إلى عيّنة واسعة شملت 390 مشاركاً من كليات وأدوار أكاديمية متعددة، ضمن برنامج تطوير مهني مُنظّم امتدّ على ثلاثة أسابيع، بهدف دعم دمج وجاءت النتائج واضحة وذات دلالة إحصائية
فبعد التدريب، ارتفعت الكفاءة الذاتية ويعكس هذا التحسّن الكبير زيادةً في ثقتهم بقدرتهم على استخدام الذكاء الاصطناعي والأهمّ من ذلك، أنه يُظهر أن توفير تطوير مهنيّ موجّه ومستدام يؤدي إلى تعزيز ملموس في جاهزية الأساتذة وانخراطهم في الذكاء الاصطناعي
إن هذه الزيادة البالغة 45 في المئة في الكفاءة الذاتية ليست نتيجة هامشية، بل مؤشر حاسم على نقطة انطلاق تحوّل حقيقي
الدلالة واضحة: المشكلة ليست في نقص التكنولوجيا، بل في غياب تمكين من يستخدمها
لكن الكفاءة الذاتيّة لا تمثل سوى بُعدٍ واحد ضمن إطارٍ أشمل، إذ يكشف الفهم الأعمق لاعتماد الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي عن تفاعل ثلاثة عوامل مترابطة: توجّه الأساتذة نحو التدريس المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وكفاءتهم الذاتية، ومبادرتهم التدريسية
يشكّل التوجّه حقيقة الإدراك: فالأساتذة الذين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي كفرصة يكونون أكثر ميلاً إلى التفاعل معه، بينما يميل من يرونه تهديداً إلى مقاومته، بغضّ النظر عن الضغوط المؤسسية
وتُشكّل الكفاءة الذاتية القدرة: إذ تحدّد الثقة مدى شعور الأساتذة بقدرتهم على تحويل المعرفة إلى ممارسة
أما المبادرة التدريسية: فتُشكّل الفعل، إذ تعكس الاستعداد للتجريب، وإعادة تصميم استراتيجيات التدريس، وتجاوز الأساليب التقليدية
وتكوّن هذه الأبعاد مساراً متكاملاً؛ فالتوجّه يؤثر في الكفاءة الذاتية، والتي بدورها تدفع المبادرة التدريسية؛ ومن دون انسجام هذه العناصر، يبقى التبني سطحياً
أما بالنسبة إلى صنّاع السياسات وقادة الجامعات، فإن الحاجة إلى التغيير باتت استراتيجية وعاجلة في آنٍ معاً
يمتلك قطاع التعليم العالي في لبنان نقطة قوة بارزة تتمثل برأس ماله البشري، إذ تظهر استعدادات الأساتذة للتعلّم والتكيّف بوضوح ومع ذلك، لا يزال هذا المورد غير مستثمر بالشكل الكافي بسبب اختلالات نظامية، من بينها تجزؤ برامج التطوير المهني، وضعف التوافق بين الحوافز المؤسسية والابتكار التربوي
وفي الوقت نفسه، تبرز فرصة واضحة لإعادة تموضع الجامعات اللبنانية كروّاد في دمج الذكاء ويتطلب ذلك تحولاً في الأولويات، من الاستثمار في الأدوات بشكلٍ أساسي إلى الاستثمار في البشر
إن الطريق إلى الأمام لا تتمثل في التخلي عن التكنولوجيا، بل في إعادة توازن فالتطوير المهنيّ المستدام، والثقافات المؤسّسية الداعمة، والقيادة الملتزمة ببناء القدرات على المدى الطويل، يجب أن تصبح عناصر مركزية في أيّ مبادرة جادة للذكاء الاصطناعي
سيواصل الذكاء الاصطناعي تطوّره، بغضّ والسؤال الحقيقي هو ما إذا كان سيتمّ تمكين المربين من مواكبة هذا التطور ومجاراته
لأن مستقبل التعليم، في نهاية المطاف، لن يُصاغ بالذكاء الاصطناعي وحده، بل بالمعلمين الذين يمتلكون الثقة الكافية لاستخدامه، والوعي النقدي لمساءلته، والمبادرة * عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية