في ثمانينيات القرن الماضي، وبينما كان لبنان غارقاً في عتمة الحرب الأهلية وتمزقاتها، أطلق الفنان الكبير زكي ناصيف صرخته لم تكن مجرد أغنية، بل كانت "بيان اليوم، وبعد عقود، يعود التاريخ ليعيد إنتاج مشهديته القاسية، لكن الأبطال هذه المرة هم ثلاثة أطفال ووالدهم، يواجهون الغارات الإسرائيلية بآلة في منطقة لبنانية لم تعد تنام على الهدوء، حيث يلف السماء دخان الانفجارات وتتردد أصداء الغارات في الأرجاء، تحوّلت عملية أداء ثلاثة أيام قضاها الأطفال الثلاثة برفقة والدهم، يحاولون اقتناص "ثغرة لم تكن الغارات مجرد أصوات بعيدة، بل كانت منطقتهم تشهد استهدافات مفاجئة وعنيفة من دون أن يُنسى وقع صوت الطائرة المسيّرة التي تجعل من الصمت ترفاً يصعب نيله
كان المشهد سريالياً، الأب يضبط إيقاع العزف على آلة الأورغ، والأطفال يتأهّبون للغناء، بينما تهتز كلما علا صوت الانفجار في محيطهم، ساد صمت الخوف الذي يقطعه نبض القلوب الصغيرة، ليعود الأطفال ويستأنفوا الغناء من جديد عن لبنانهم، وكأنهم يرممون يجسد هؤلاء الصغار، بتنوع أعمارهم، صرخة الطفولة اللبنانية التي لم تتغير هو "لبنان البراءة" الذي اشتاقوا إليه، ذاك الذي يسمح للطفل بالركض في الزواريب دون أن يهرع مفزوعاً ليرتمي في هي طفلة تشتاق لرحلاتها العائلية في ربوع الوطن الأخضر، وطفل يحلم بسماء صافية لا تخترق سكينتها الطائرات إن إعادة إحياء هذه الأغنية في ظل الحرب الدائرة اليوم، هي رسالة تاريخية مفادها أن الإنسان اللبناني هي صرخة من أجل "لبنان الأخضر"، حق الجنين في أن يولد في وطن آمن، وحق الحجر التاريخي في ألا يتحول إلى ركام، وحق الطبيعة في لقد أثبت هؤلاء الأطفال أن الفن في لحظات الخطر ليس ترفاً، ففي الوقت الذي يبدو فيه الواقع "متشلخاً"، جاءت أصواتهم لتعيد وصل ما انقطع، مؤكدين أن حقهم في الحياة والسلام هو الثابت الوحيد، وأن ضجيج الغارات مهما علا، سيظل أضعف من رقة طفل يغني اشتقنا ع لبنان"