غيّب الموت قامةً وطنية شامخة وأيقونة فنية صاغت رحل الفنان اللبناني الكبير، بعد رحلةٍ إبداعية طويلة برحيله، يطوي لبنان صفحةً من أنبل صفحات الفن الملتزم، في وقتٍ تتوالى فيه الخسارات الكبيرة، لتترك بيروت يتيمةً من صوتٍ ونعى المعهد الوطني العالي للموسيقى، باسم رئيسته ومجلس إدارته وأوركستراته وهيئتيه الإدارية والتعليمية، وجاء في بيان النعي أن "، الذي كان له شرف استضافة هذا الرمز الوطني في حفلةٍ أخيرة له، يودع اليوم فناناً كان مدرسةً في العطاء الإنساني، وصوتاً صدح بالحق والحرية، وسيبقى إرثه الفني والوطني منارةً تلهم الأجيال الصاعدة في أروقة وفي نعيٍ مؤثر، قالت رئيسة الكونسرفتوار الدكتورة هبة القواس: "برحيل أحمد قعبور، يفقد لبنان لم يكن أحمد ضيفاً عابراً في الكونسرفتوار، بل كان أخاً وصديقاً رحل من علّمنا كيف نحب بيروت بصدق، وكيف نحوّل وداعاً يا صاحب الحنجرة التي لم تعرف المهادنة، ستبقى ألحانك أمانةً في ذاكرتنا الموسيقية، وستبقى ذكراك حيةً في قلب كل مبدع"
وأضافت القواس بصوتها عبر فيديو خاص صُمّم لوداع الراحل: "أغنياتك كانت كرائحة خبزٍ في صباحٍ قديم، كرائحة في صوتك كانت الشوارع أقل كيف يمكن لصوتٍ أن يرحل، وقد علّم الريح أن تحفظه؟"
وأضاف نعي الكونسرفتوار: "أحمد قعبور الذي كانت ألحانه وكلماته بياناً ثورياً مغلّفاً بالرقة، عرف كيف يطوّع الموسيقى لتكون في خدمة الإنسان، تميز فنّه بقدرته العجيبة على الجمع بين النخبوية في التكوين الموسيقي والشعبية في الانتشار، فدخلت ألحانه البيوت والمخيمات والساحات، وصار شخصيةً تختزل خفة ظل المدينة قدّم قعبور نموذجاً فريداً للفنان الذي يرفض العيش في برجٍ عاجي، متمسكاً بهويته البيروتية الأصيلة، وبإيمانه المطلق بأن الفن هو السلاح وتابع: "كان قعبور هو الهوية التي لم تضلّ طريقها يوماً، غنى لبيروت، للبسطاء، للفقراء، من "أناديكم" التي تحولت إلى نشيدٍ أممي للصمود، إلى أغنياته التي رسم فيها تفاصيل بيروت، قدم لمدينته رحيله اليوم يمثل خسارةً فادحة للفن العربي، إذ كان يمثل الجسر الرابط بين النغم الراقي والقضية الإنسانية الكبرى، خصوصاً في توثيقه لحكايات العائلات والناس الطيبين في "بيروت يا بيروت" و"يا رايح وأشار الكونسرفتوار إلى حفل قعبور الأخير: "لا يمكن للذاكرة أن تنسى تلك اللحظات المهيبة والمؤثرة في حفلته الأخيرة التي أقامها الكونسرفتوار في كانون الأول ٢٠٢٥، حيث حلّ قعبور ضيف شرفٍ مكرماً وأضاف: "في تلك الليلة، وبكل ما أوتي من شموخ، وأثناء الأداء، وفي لحظة تجلٍّ فني تغلبت فيها الروح على وهن الجسد، هوى الفنان الكبير على خشبة المسرح لم تكن سقطة ضعف، بل كانت عناقاً أخيراً يومها، أحاطه الجميع بفيضٍ من الحنان والاهتمام، في مشهدٍ جسّد أسمى معاني الوفاء لفنانٍ أعطى قلبه للناس، فاحتضنه الناس في لحظة تعبه الجميل، وكأن المسرح أبى أن يودعه وختم: "رحم الله أحمد قعبور، "صوت الناس" و"ضمير المدينة"، ولعائلته وللبنان الصبر والسلوان"