* منى صوان
في بلدٍ اعتاد أن يتعلّم تحت الضغط، من الأزمات الاقتصادية إلى الانقطاعات المتكررة في الكهرباء والإنترنت، لم يكن دخول إلى الصفوف حدثاً عادياً، بل جاء كحلٍ عاجل، وأحياناً كبديلٍ اضطراري، لكن بين الحاجة الملحّة والانبهار بالتقنية، يبرز سؤال أساسي: هل نقود استخدام الذكاء الاصطناعي في مدارسنا، أم ننجرف خلفه
خلال فترات التعليم عن بُعد، لجأ كثيرون من المعلمين إلى أدواتٍ ذكية لتوليد الأسئلة، تبسيط الدروس، أو حتى إعداد وفي ظل ضغط الوقت وتحديات لكن في المقابل، ظهرت ممارسات تحتاج إلى وقفة تأمل: محتوى يُستخدم من دون مراجعة، تقييمات لا تعكس مستوى الطالب الحقيقي، واعتماد متزايد على مخرجاتٍ قد لا تراعي الفوارق الفردية أو السياق الثقافي
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنيةٍ ناشئة تثير فضول المعلمين والطلاب، بل غير أن هذا الانتقال السريع من الفضول إلى الاستخدام يطرح تحدياً أعمق: هل نحن مستعدون لاتخاذ قراراتٍ مسؤولة في توظيفه داخل مدارسنا
في كثيرٍ من البيئات التعليمية، لا يزال التعامل مع الذكاء الاصطناعي محكومًا يُجرّب المعلم أداةً جديدة، يختبر تطبيقاً مختلفاً، أو يعتمد على نموذجٍ هذه المرحلة، على أهميتها، تبقى ناقصةً إذا لم تترافق مع وعيٍ حقيقي بطبيعة القرارات التي تُتخذ، وتأثيرها على جودة التعلم وعدالته
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في استخدام وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من "مستخدمين للتقنية" إلى "قادة قراراتٍ فكل قرار باستخدام أداةٍ ذكية، سواء في تقييم الطلاب أو تخصيص التعلم أو حتى في إدارة الصف، يحمل في طياته أبعاداً أخلاقية وتربوية تتطلب تفكيراً نقدياً ومسؤوليةً مهنية
في هذا السياق، يمكن النظر إلى عملية اتخاذ القرار من خلال نموذجٍ يبدأ بالإنسان، يمر عبر الذكاء فالإنسان يطرح السؤال ويحدد الهدف، والذكاء الاصطناعي يقدّم اقتراحاتٍ أو حلولًا، ثم يعود الإنسان ليمارس دوره الحاسم في التقييم، والتعديل، هذا التوازن يضمن أن تبقى التكنولوجيا أداةً داعمة، لا بديلاً من الحكم التربوي، خصوصاً في بيئاتٍ تعليمية تتطلب حساسيةً عالية للسياق مثل لبنان
إلى جانب ذلك، تفرض المرحلة الحالية ضرورة إعادة التفكير في معايير الاستخدام المسؤول فالقضية لم تعد فقط في "ماذا يمكننا أن نفعل بهذه الأدوات"، بل في "ماذا ينبغي أن نفعل"؟ وهنا تظهر أهمية ركائز أساسية: احترام حقوق الملكية الفكرية، وضمان الشفافية في استخدام المحتوى المولّد، وممارسة الحذر في الاعتماد على مخرجات الذكاء الاصطناعي من دون مراجعةٍ نقدية
كما أن العدالة التعليمية تظل ففي بعض المدارس، يستطيع الطلاب الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بسهولة، بينما يواجه هذا التفاوت قد يحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعمٍ إلى عامل تعميقٍ للفجوات من هنا، يصبح دور القيادة التربوية حاسماً في ضمان تكافؤ الفرص، وتوجيه الاستخدام نحو دعم جميع المتعلمين، لا فئةً محددة منهم
إن الانتقال من الفضول إلى الالتزام لم يعد خياراً، فالتعليم في لبنان، كما في كثيرٍ من الدول التي تعيش تحدياتٍ مستمرة، يحتاج إلى قراراتٍ ليس المطلوب إيقاف استخدام الذكاء الاصطناعي، بل تنظيمه، توجيهه، وقيادته بما يخدم المتعلم ويحمي جوهر العملية التعليمية
في النهاية، لا يُقاس نجاحنا بمدى استخدامنا للذكاء الاصطناعي، بل بقدرتنا فالتكنولوجيا، مهما تطورت، تبقى وسيلة، أما القرار التربوي، فيبقى مسؤولية إنسانية لا يمكن تفويضها
* باحثة ومتخصّصة في القيادة التربوية والذكاء الاصطناعي في التعليم