كانت كنّا نهرب إليها من قسوة الواقع، لنرسم أمّا اليوم، فقد انعكس المشهد؛ لم نؤجّلها، نضعها جانباً، كأنها تقلّصت، وربما تلاشت، حتى بات أكبر حلمٍ لدينا: في هذا السياق، تستعيد المعالجة النفسية ماري-أنج نهرا، في حديثها، كلمات الفنان الراحل أحمد قعبور من أغنيته "يا رايح صوب بلادي"، حين يتساءل: "هل بعدها ممنوعة الأحلام؟"أغنية مرّ عليها أكثر من أربعين عاماً، لكنها اليوم تبدو أقرب إلينا من أي وقت مضى، كأنها كُتبت لهذا الزمن تحديداً
الحلم عند مفترق الطرقتشرح نهرا أن الحلم ليس فكرة عابرة، بل تجربة إنسانية معقّدة، تقف عند تقاطع ثلاثة أبعاد:نفسياً: كل ما نكتمه خلال، من قلق وخوف وصدمات، يتسرّب ليلًا حين يهدأ يصبح الحلم مساحة للتفريغ، وأحياناً فلسفياً: يقودنا هل ما نعيشه حقيقة أم مجرد وهم؟ رأى الفيلسوف أفلاطون أن حياتنا قد تكون شبيهة بحلم طويل، بينما تساءل رينيه ديكارت عن مدى قدرتنا بين الشك واليقين، روحياً: في عمقه، الحلم بأسئلة البداية هذا الغموض قد يكون مصدر طمأنينة أو قلق، بحسب ما يحمله الإنسان من إيمان وقناعات
حين لكن ماذا يحدث عندما تتكدّس الصدمات؟بكل واقعية تقول نهرا إن ما نعيشه اليوم ليس حدثاً عابراً، بل سلسلة متواصلة من الأزمات: من جائحة كوفيد-19، إلى الأزمة الاقتصادية، إلى انفجار مرفأ بيروت، هذه التجارب لا تمرّ فقط في الذاكرة، ومع الوقت، تتغيّر طبيعة الأحلام نفسها: نصبح عاجزين عن تخيّل المستقبل، لأن الحاضر أحلام مؤجّلة… وحياة مؤجّلةجيلٌ شباب بلا فرص واضحة، حتى الأحلام البسيطة—بيت، استقرار، زواج—لم تعد بديهية، بل ومع تكرار التأجيل، يتحوّل الحلم من دافعٍ للحياة إلى عبءٍ نخشى الحلم… ضرورة لا رفاهيةرغم كل ذلك، الحلم هو بداية الفعل، وهنا تبرز المفارقة: هناك فرق بين حلم النوم، الذي يأتينا بلا إرادة، وحلم لكن في واقع مضطرب، يصبح تحقيق هذا الحلم صعباً، فنؤجّله… مرة بعد مرة
وهنا يكمن الخطر الحقيقي:حين نؤجّل تفقد قدرتها على تحفيزنا، وتتحوّل أخيراً… هل ما زلنا نحلم؟ربما لم نتوقّف عن الحلم نخاف أن نعلّق ومع ذلك، تبقى النصيحة الأبسط والأكثر إلحاحاً: لأن الحلم الذي لا يُعاش اليوم… قد لا يُعاش أبداً