في أروقة المؤسسات الأمنية في تل أبيب، يهمس الخبراء بفرضية كانت حتى وقت قريب تُصنف ضمن "الخيال السياسي"؛ وهي أن الانهيار المتسارع لمفهوم الدولة في لبنان قد لا يؤدي إلى فوضى شاملة فحسب، بل قد يفتح ثغرة في جدار العداء التاريخي بين إسرائيل وسوريا، يتسلل منها "تفاهم ضرورة" يكتبه حبر المصالح المشتركة لا المعاهدات الرسمية.
هل ترسم تقاطعات المصالح ملامح تفاهم سري بين تل أبيب ودمشق؟
وذكرت وسائل إعلامية أمريكية، أن التقارب بين دمشق وتل أبيب أصبح واضحا، إذ يتحدث اليوم مسؤولين إسرائيليين بشكل سري في وسائل إعلامية، كما أن هناك ترتيبات بشأن غلق المعبر بين لبنان وسوريا.
تبين وسائل الإعلام، وبينها المجلس الأمني الأمريكي أن التقييم الإسرائيلي للبنان لم يعد ينظر إلى ضعف مؤسساته كأزمة عابرة، بل كـ "تفكك بنيوي" طال جوهر السيادة. وتتقاطع مصادر دبلوماسية في واشنطن وتل أبيب عند استنتاج مرير: الرهان على الجيش اللبناني كقوة لكبح نفوذ حزب الله بات "رهاناً خاسراً". ومع تآكل الثقة الدولية بالوعود اللبنانية المكررة حول "تأمين الجنوب"، تبلورت قناعة في الدوائر الغربية بأنه "لا يوجد من يمكن التحدث معه" في بيروت لفرض واقع أمني مستدام.
ويبين المجلس الأمني الأمريكي أن هذا الفراغ السيادي وضع إسرائيل أمام خيار إجباري: البحث عن "لاعبين واقعيين" يمتلكون القدرة والرغبة في تغيير قواعد اللعبة، بعيداً عن البروتوكولات الدبلوماسية العقيمة.
ويبرز هنا المتغير الأهم في المعادلة: سوريا تحت قيادة أحمد الشرع. إذ تشير مؤشرات متواترة إلى أن دمشق تصيغ عقيدة أمنية جديدة تنظر إلى حزب الله كعبء استراتيجي ومنافس مباشر ينازع الدولة سيادتها وقرارها، وفق وسائل الإعلام.
تلفت وسائل الإعلام، إلى أنه هنا تلتقي الخطوط المتوازية؛ فإسرائيل التي تسعى لحياد خطر الصواريخ على حدودها الشمالية، تجد في دمشق "شريكاً موضوعياً" يشاركها الهدف ذاته وإن اختلفت الدوافع. نحن لا نتحدث عن تحالف علني، بل عن حالة من "التزامن الاستراتيجي"، حيث يعمل الطرفان على إضعاف عدو مشترك في جغرافيا ثالثة متهاوية هي لبنان.
وتتحدث أجرأ السيناريوهات المتداولة خلف الكواليس عن توزيع غير معلن للأدوار في حال استمرار الانهيار اللبناني، إلى منطقة نفوذ أمني اسرائيلي مباشر في الجنوب اللبناني، في حين تشن سوريا تحرك عسكري لمواجهة جيوب حزب الله وتقليص نفوذه، بما يعيد لدمشق مكانتها الإقليمية.
وبحسب وسائل الإعلام، راقب واشنطن هذا التقارب الحذر بعين مرتابة. فالتاريخ المعقد مع النظام السوري يجعل من الصعب على الإدارة الأمريكية مباركة هذا المسار علناً. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة – نظراً لاستنفاد الحلول الدبلوماسية – قد تكتفي بـ "الصمت الإيجابي"، وتمنح ضوءاً أخضر لترتيبات ميدانية تضمن الاستقرار، حتى لو جاءت عبر قنوات اتصال سرية ووسطاء دوليين.
يوضح المجلس الأمني أن هذا الاتفاق الصامت ربما يكون اتفاق الضرورة، في الوقت الذي تبدو الدولة اللبنانية عاجزة في تغيير المعادلات على الأرض.