عبدالله مفتاح يكتب: هل يتعلم الخليجيون الدرس؟
في موازين البشر، ليس عيبًا أن يتعلم المرء من أخطائه، أما في نظرية الأمم والدول، فحين تخطئ سياساتها، لا بد من تحولٍ استراتيجي يعيد صياغة المسار ويصحح الاتجاه.
حديثي هنا عن دول الخليج التي فتحت أراضيها للأمريكي، يرتع فيها كما يشاء، وتنطلق منها ضرباته إلى عدوه الذي يحاربه — إيران — دون إذن أصحاب الدار، الذين وجدوا أنفسهم في خضم حرب لم يقرروها، ولم يستعدوا لها، ولم يختاروها.
الأمر أشبه باستضافتك لشخص في بيتك، فتحصّن به، وأخذ يضرب من نافذته عدوه. فهل تتوقع أن يراعي هذا الأخير حرمة بيتك، وألا يلقمه حجرًا يؤذي منزلك، بدعوى أن هذا بيتك وليس بيته؟ وإن كان هذا الشخص الذي استضفته قد انتهك حرمة بيتك، فكيف ترجو من عدوه أن يقدّسه؟
هذا مثلٌ مصغّر لما فعلته أمريكا بدول الخليج عندما استضافت “قواعدها” على أراضيها، فاتخذتها واشنطن منطلقًا لضرب إيران، فلم يكن من الأخيرة إلا أن ردّت بضرب هذه القواعد، وامتد أثر القصف إلى أهداف أخرى قد تكون مدنية، مثل مصادر الطاقة والمطارات، ومبانٍ تضم أهدافًا تراها مشروعة وفق منطق “البادئ أظلم”.
بالطبع، نحزن جميعًا — كمصريين — لتوجيه ضربات إلى دول الخليج، من منطلق العروبة والأخوة، لكني أرفض أن تكون في معركة واحدة بصف الاحتلال وخط الصد الأول عنه. ولعل ما حدث يكون رسالة واضحة بأن من يتغطّى بالأمريكيين “عريان”، مهما بدا عكس ذلك.
يقول الأكاديمي القطري الدكتور نايف بن نهار: لا يتحدث دونالد ترامب إلا عن مضيق هرمز وسعر النفط، أما مجتمعات الخليج فلا تساوي عنده برميل نفط! ويتساءل: لماذا يريد أن يشارك الخليج في الحرب؟ثم يجيب: الهدف من ذلك كله هو ضرب عصفورين بحجر واحد؛ إسقاط النظام في إيران، وإسقاط النموذج الخليجي، وإنهاكه واستنزافه، تمهيدًا للتغييرات القادمة في المنطقة.
وفي الختام، إن كانت الدول الخليجية قد أخطأت وفتحت أرضها وسماءها للأمريكيين والكيان لضرب إيران، فعليها ألا تكرر الكارثة مرة أخرى، وأن تغيّر سياستها مع أول هدنة للحرب، وأن تستفيد من تجارب الأمم السابقة التي أخطأت ثم صوّبت مسارها. فأمريكا نفسها أخطأت في التورط في حرب فيتنام، ثم لاحقًا في حرب العراق، ثم تعلمت.
كما أن الصين اتبعت سياسات اقتصادية فاشلة خلال الثورة الثقافية، ثم اتجهت إلى الانفتاح الاقتصادي، فكانت النتيجة تحولها إلى قوة اقتصادية عالمية، وكذلك اليابان، التي أخطأت في التوسع العسكري قبل وخلال الحرب العالمية الثانية، ثم عدّلت مسارها، وتحولت إلى دولة سلمية تركز على الاقتصاد والتكنولوجيا، فأصبحت واحدة من أقوى اقتصاديات العالم.
جميع هذه الدول أخطأت ثم تعلمت، وعلى دول الخليج أن تتعلم من الدرس، وألا تخوض حربًا بالوكالة تحقق أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن تدرك أنها ليست حربها، بل حرب عدوها.
آن الأوان أن يطرد الخليجيون هذه القواعد الأمريكية من أراضيهم، بعدما أثبتت عدم فعاليتها في حمايتهم، وتأكد لهم أنها ما زُرعت إلا لحماية العدو بأموالهم. فهم يدفعون الأموال ويُغدقون العطايا للولايات المتحدة، ثم إذا شنت حروبًا منها — كما حدث مع طهران — تتركهم لتلقي الضربات، ويواجهون مصيرهم، ولا تعوضهم عن الخسائر المادية والبشرية.
وعليهم إيجاد قوة بديلة تقوم على المنفعة المتبادلة، لا على الانصياع التام والركوع الذليل. وليكن التوجه نحو قوة إسلامية عربية تنشأ بعد الحرب، تضم تركيا وإيران ومصر وباكستان وأفغانستان، وباقي الدول العربية والخليجية. تكون هذه القوة جيشًا موحدًا، يشبه حلف الناتو، الذي يتفكك الآن ويحتضر بأفعال الرئيس الأمريكي المتغطرس دونالد ترامب.