في صباح يوم عادي خرج الرائد محمد كامل الحويج من منزله على عجل، ودع زوجته وأبناءه، وخرج من باب شقته ملوحًا بيده لأول مرة على غير عادته، خرج متحمسًا لاستعادة أراضي الوطن، ولم يكن يعلم بأنه الخروج الأخير
أفنى بطل القوات المسلحة عمره بين رمال سيناء وأروقة المفاوضات، ليرحل في لحظة فارقة، تاركًا وراءه نجله أحمد الذي لم يستطع رؤيته سوى يوم واحد
الرائد محمد كامل الحويج
وفي تصريحاتها روت السيدة ماجدة عبدالعال تفاصيل التحاق زوجها بالمخابرات الحربية، وكواليس الوداع الأخير
وقالت إن حكايتهما بدأت عقب خطوبتهما بنحو شهرين، حيث التحق بالمخابرات الحربية، وبعدها بستة أشهر انضم لملف سيناء، حيث كانت حياته عبارة عن حقيبة سفر وأوراق سرية وسفر دائم بين رفح وطابا وجنوب سيناء
وأضافت أنه مع كثرة انشغاله في العمل كان أحيانًا لا يعود إلى المنزل، تارة يقول إنه في سيناء، وتارة يقتصر الرد بـ “كنت في مأمورية”، مشيرة إلى أنها كانت تحترم خصوصيته فلا تطيل السؤال ولا الحديث، لكن في كل مرة كان ينبض قلبها مضطربًا وخائفًا خاصة إذا لم يعد في الليل
الرائد وابنه إسلام
لم تعاتبه على تركه لها فدائمًا ما كان يقول: “عشان الشغل وعشان مصر وإحنا فدا مصر”، لذا كانت تقضي أغلب وقتها رفقة عائلتها في أسيوط حتى لا تشعر بالوحدة
وصفت ماجدة زوجها بابتسامة فخر: "كان بيحب مصر أوي أوي"، متذكرة موقفا لا ينسى عندما كانت تعيش برفقته في مدينة شرم الشيخ، وكان يمنعها من هدر المياه، قائلًا بمرارة: “الماية دي مصر بتدفع تمنها، إحنا واخدينها من إسرائيل إحنا بندفعلهم تمنها بالدولار حرام عليكي”
سفر الرائد كامل الحويج لطابا
بينما كانت مفاوضات طابا في ذروتها، علم كامل الذي كان يبلغ من العمر 34 عامًا بخبر وضع زوجته لطفلها الثاني أحمد، حيث اضطر للنزول إلى أسيوط بلد زوجته، حتى يعود بها مرة أخرى للمنزل، وخلال تناولهم الغداء يوم السبت أخبر كامل زوجته بحماس بأنه مسافر مرة أخرى إلى إسرائيل
شعرت ماجدة بالصدمة والحزن، فلم ير مولوده الجديد “أحمد” سوى يوم واحد، قبل أن يخبرها بأنه مسافر ضمن الوفد المرافق لمباحثات طابا، بعدما صدق المشير على اسمه ضمن المسافرين للمباحثات
الرائد محمد كامل
سارع الرائد محمد كامل للاستعداد للمهمة، رتب أوراقه، وحزم أمتعته، وفي يوم الثلاثاء عاد مرة أخرى فقط لتوديع عائلته، قبًل ابناءه إسلام وأحمد، ووقف على بابا المصعد ولوح لهم بيده لاول مرة على غير عادته، بحسب ما روت ماجدة، ثم انطلق في طريقة إلى المهمة الأخيرة
أختير كامل لبحث أسلوب المسح الميداني لتسجيل علامات الحدود المتنازع عليها وكان لخدمته في أراضي سيناء خاصة منطقة النقب الفضل في إلمامه بكل شبر في أرض الفيروز
مفاوضات طابا
بدأت الاجتماعات في يوم الحادي عشر من أغسطس عام 1986، حيث كان للرائد دور مهم في دعم حجج الوفد المصري
وفي مغرب يوم الأربعاء كانت ماجدة جالسة رفقة أبنائها، وبينما كانت تستمع لنشرة الأخبار التي تقدمها الإعلامية زينب سويدان، سمعت خبر استشهاد زوجها، وقالت: “أنا مفتكرتهوش من الصدمة، أنا شايفه النشرة وسامعاها لكن من الصدمة مصدقتش إنه هو”
لحظة وصول جثمان الشهيد إلى مصرلحظة وفاة الرائد محمد كامل الحويج
وبحسب ما روى اللواء فاروق لبيب، رئيس الجهاز المصري للاتصالات بالمنظمة الدولية لـ"ماجدة"، أن كامل كان جالسًا معهم في اليوم الثالث من المفاوضات قبل أن تميل رأسه على كتفه، في البداية حاول اللواء إيقاظه معتقدًا أن عيناه غفت من الإرهاق، قبل أن تنتفض الجلسة وينقل إلى المستشفى حيث حاول الأطباء ولمدة ساعتين إيقاظه، لكن بلا جدوى
أزمة قلبية لم تستغرق 14 ثانية، كانت هي الحائل بين كامل وبين رؤيته مصر وهي تستعيد أرضها بعد ثلاثة سنوات من المفاوضات
رحل كامل وفي قلبه أمنية لم يحققها، ففي ليلة وفاتها كان يرغب كامل في الصلاة داخل القدس، لكن مع تعمقة في دراسة الخرائط وجلسات المفاوضات، وعده اللواء لبيب بالصلاة في القدس عقب انتهاء المفاوضات وقبل الرجوع للوطن
الرائد ونجله إسلامالرائد محمد كامل بطل بشهادة الأعداء
لم يكن يعلم كامل أن خروجه من منزله ذلك اليوم كان خروجه الأخير، وأن له موعد مع الشهادة في أثناء مفوضات طويلة ظل فيها حتى آخر نفس يدافع بشدة وثبات عن حق بلاده
من الجانب الإسرائيلي
وقالت ماجدة إنها تسلمت ات من إسرائيل عقب وفاة زوجها، يقدم فيها عدد من الضباط والجنرالات تعازيهم لها، مشيرة إلى جانب التعازي شكر الطرف الآخر في دور كامل في إرساء السلام بينهم وبين مصر، حيث وصفه الجنرالات الإسرائيليون بـ “الضابط المتشدد”، موضحة أنه لم يكن متشددًا عدوانًا، بل كان غير متهاونًا في حق مصر
من الجانب الإسرائيلي