في الأول من مايو 2026، شهدت منظمة “أوبك” تحولاً مفصلياً بقرار دولة الإمارات العربية المتحدة اتخاذ مسار سيادي مستقل خارج إطار المنظمة، هذا القرار ليس مجرد إجراء فني يتعلق بحصص النفط، بل هو تعبير عن تباين عميق في الرؤى الاستراتيجية حول مستقبل المنطقة وإدارة الثروة، نحن أمام مواجهة مفتوحة بين مفهوم “الدولة الوطنية” الراسخة التي تمثلها الرياض والقاهرة، ومفهوم “الدولة الوظيفية” العابرة للحدود التي تسعى أبوظبي لفرضها كواقع جديد، محولةً المنطقة إلى ساحة صراع بين السيادة القومية وبراغماتية الشركات العابرة للقارات.
مقامرة النفط وعقيدة “الضخ السريع”
خلف الأرقام الجافة لحصص الإنتاج، يختبئ صراع “عقائدي” حول مستقبل الثروة؛ فبينما تلتزم السعودية بضبط السعر لضمان استدامة “رؤية 2030″، قررت الإمارات “الضخ السريع” لتسييل أصولها النفطية وتحويلها إلى قوة تكنولوجية ولوجستية قبل غروب عصر النفط، استثمرت أبوظبي نحو 150 مليار دولار لرفع قدرتها إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2027، وهي ترفض بقاء هذه الاستثمارات رهينة لقيود أوبك، هذا الانفصال هو عن نهاية “القطبية الواحدة” وبداية زمن “تعدد الأقطاب الصغير”.
ممر (IMEC) واللعب في مساحة الفراغ الدولي
لا ينفصل الخروج من أوبك عن الرؤية الإماراتية الكبرى لتفعيل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)، تراهن أبوظبي على أن تحررها من قيود التحالف النفطي التقليدي سيمنحها مرونة أكبر في اللعب على حبال القوى العظمى، خاصة مع تزايد التقارب مع الصين كشريك نفطي وتكنولوجي بديل.
تسعى الإمارات لتقديم نفسها كـ “جسر لوجستي” للصين في قلب الخليج، وهو ما يمثل طعنة استراتيجية لمكانة قناة السويس المصرية، وتهديداً مباشراً لطموح السعودية في أن تكون هي المحور اللوجستي والربط القاري الوحيد للمنطقة.
جغرافيا التفتيت: المليشيات كأذرع لـ “الدولة التاجرة”
في اليمن والصومال، يتجلى الوجه الأكثر قتامة لهذا الانشقاق؛ حيث انتقل الدور الإماراتي من حماية الملاحة إلى “هندسة التفتيت” الممنهج، عبر دعم ميليشيات المجلس الانتقالي في اليمن وتطوير ميناء “بربرة” في الصومال بتكلفة 442 مليون دولار بعيداً عن الحكومة الفيدرالية، تبني أبوظبي شبكة لوجستية موازية تضمن لها السيادة الوظيفية على ممرات التجارة الدولية، مما يضرب صميم الأمن القومي العربي.
خديعة الدعم وسراب الحليف: تقويض الدولة الوطنية
لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن استراتيجية الإمارات التي تبلورت منذ أحداث يناير 2011؛ فالدعم الذي قدمته أبوظبي للقاهرة لم يكن يوماً (شيكاً على بياض) لاستعادة الدولة الوطنية المصرية عافيتها القيادية، بل كان في جوهره (استثماراً في التبعية) يسعى لإبقاء مصر في حالة (الاستقرار المشروط) المنشغلة بأزماتها، بما يضمن عدم عودتها لممارسة دورها التاريخي كمركز ثقل إقليمي يقلّم أظافر الطموحات الصاعدة.
إن الارتماء الإماراتي في الركب الإسرائيلي لم يكن بحثاً عن سلام، بل بحثاً عن (شرعية وظيفية بديلة) توفر لها الحماية التقنية الفائقة، وتمنحها القدرة على تهميش قناة السويس والالتفاف على السيادة المصرية والسعودية.
إن أبوظبي باتت تتبنى عقيدة (تفكيك المركز لصالح الأطراف)؛ فهي تسعى لتحويل الشرق الأوسط من إقليم تحكمه سيادة الدول وجيوشها الوطنية، إلى (إقطاعيات لوجستية) تديرها ميليشيات وظيفية يسهل توجيهها، في مواجهة علنية مع استمرار الدولة القومية الراسخة التي باتت تُصنف في العقل الاستراتيجي الإماراتي كعائق أمام طموحاتها كـ (شركة عابرة للقارات) تدير المنطقة بعقلية القطاع الخاص.
سلاح الغذاء والمياه والرهان التقني
لقد امتد الطموح الإماراتي ليصل إلى أقدس مقومات الأمن القومي العربي: الماء والغذاء، من خلال الاستحواذ على ملايين الأفدنة في السودان والقرن الإفريقي، وبناء شراكات في دول منبع النيل، باتت أبوظبي تملك مفاتيح “الضغط الصامت” على القاهرة والخرطوم.
يتزامن هذا مع رهان تقني وسيبراني هجين بالتعاون مع الجانب الإسرائيلي، يهدف لزعزعة استقرار الخصوم من الداخل، وسط “شرخ صامت” داخل الاتحاد بين اندفاع أبوظبي الخشن وقلق دبي التجاري.
فخ “الغرور التاريخي” وساعة الصفر 2030
حذارِ من “فخ الغرور الاستراتيجي” (Hubris)؛ فالتاريخ لم يرحم يوماً الكيانات التي توهمت أن “السيادة الوظيفية” وتراكم المال يمكن أن يعوضا غياب “الشرعية القومية”، نحن نتجه بسرعة نحو “ساعة الصفر” في عام 2030؛ وهو العام الذي ستصطدم فيه طموحات الإمارات بحائط الصد الذي ستبنيه الجغرافيا السياسية للدول المركزية.
شرعية “الدولة الوطنية” في مواجهة “براغماتية الوكيل”
إن خروج الإمارات من “أوبك” في مايو 2026 هو الاختبار الأكبر لصلابة مفهوم الدولة القومية، لقد اختارت الإمارات أن تتحول من “شريك في المصير” إلى “منافس في الغنيمة”، مضحيةً بالشرعية التاريخية مقابل مكاسب رقمية ولوجستية عابرة، التاريخ لا يرحم من يبيع الجغرافيا مقابل العمولات، والنتيجة النهائية لهذه المقامرة ستحدد ما إذا كان الشرق الأوسط سيظل محكوماً بدوله المركزية الحامية للحياض، أم سيتحول إلى شتات من المصالح التي تذوب في مهب ريح الصراعات القطبية الكبرى.
- كاتب وباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية