محافظة القليوبية، حيث تتجاور الفوضى مع الطموح، ويقف الواقع الصناعي على حافة التحول بين العشوائية والتنظيم، تطرح سؤالًا قديمًا يتجدد هل يمكن للنظام أن يولد من قلب التعقيد؟
ففي منطقة “باسوس”، لا تبدو المصانع مجرد مبانٍ للإنتاج، بل تجسيدًا حيًا لصراع الإنسان مع القيود، وسعيه الدائم لخلق مساحة شرعية لأحلامه.
هنا، يصبح تقنين الأوضاع أكثر من إجراء إداري؛ إنه محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين القانون والاحتياج، وبين ما هو قائم وما ينبغي أن يكون.
دمج المصانع غير المرخصة
بدأت القصة بتجدد الحديث حول واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في ملف الصناعة المصرية الا وهو دمج المصانع غير المرخصة في الاقتصاد الرسمي.
فبين طموحات الدولة في تحقيق الانضباط الصناعي، وتحديات الواقع التي يواجهها المستثمرون، تبرز تحركات رسمية جديدة تسعى لإعادة رسم ملامح هذا الملف الشائك.
اجتماع ورسائل مباشرة
في هذا السياق، عقد الدكتور المهندس حسام عبد الفتاح، محافظ القليوبية، اجتماعًا موسعًا بمجلس مدينة القناطر الخيرية، بحضور عدد من مستثمري وصناع منطقة باسوس، إلى جانب قيادات تنفيذية، من بينهم الدكتور حازم إبراهيم محمد، رئيس الإدارة المركزية لشئون مكتب المحافظ، واللواء عبد العظيم شعيب، رئيس المدينة.
الاجتماع لم يكن تقليديًا، بل جاء في إطار توجه واضح من المحافظة نحو فتح قنوات حوار مباشر مع المستثمرين، والاستماع إلى التحديات التي تعوق نمو النشاط الصناعي، خاصة في المناطق غير المخططة.
تقنين الأوضاع
ومن جانبه أكد محافظ القليوبية خلال اللقاء أن الدولة تولي اهتمامًا متزايدًا بملف تقنين أوضاع المصانع، باعتباره أحد المحاور الأساسية لدعم الاقتصاد الوطني.
وأوضح أن الجهود الحالية تتم بالتنسيق مع وزارة الصناعة وهيئة التنمية الصناعية، لوضع آليات واضحة تتيح لأصحاب المصانع توفيق أوضاعهم القانونية، سواء من خلال التقنين داخل المنطقة أو نقل الأنشطة غير الملائمة إلى مناطق صناعية مخططة.
كما شدد المحافظ على أن الهدف لا يقتصر على فرض الالتزام، بل يمتد إلى تمكين المصانع من النمو والتوسع، والاستفادة من مزايا الاقتصاد الرسمي، مثل التيسيرات البنكية، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز فرص التصدير.
الصناعة كمحرك للنمو
وأشار المحافظ إلى أن الدولة تنظر إلى القطاع الصناعي باعتباره قاطرة التنمية الاقتصادية، مؤكدًا أن تجربة التعامل مع ملفات معقدة خلال السنوات الماضية تعكس توجهًا جادًا نحو تيسير الإجراءات ودعم المستثمرين الجادين.
وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة وأصحاب المصانع، لتحقيق تنمية صناعية مستدامة، قائمة على التنظيم والكفاءة.
تحديات على الأرض
وخلال الحوار المفتوح، عرض صناع “باسوس” مجموعة من التحديات التي تواجههم، والتي تعكس واقعًا معقدًا، أبرزها اشتراطات الحماية المدنية التي يرون أنها لا تتناسب دائمًا مع طبيعة المصانع القائمة، فضلًا عن تكلفتها المرتفعة.
وكذا تعدد الحملات الرقابية، وما تمثله من ضغوط على المصانع، حتى الملتزمة منها، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة الكهرباء، وصعوبة زيادة الأحمال اللازمة لتطوير خطوط الإنتاج.
كما أشار المصنعون إلى أن نقل المصانع إلى مناطق صناعية بديلة يمثل تحديًا كبيرًا، نظرًا لارتباط هذه المصانع بالعمالة المحلية، ووجود تكامل صناعي داخل المنطقة يصعب تفكيكه.
مبادرات من الداخل
في المقابل، أبدى المستثمرون استعدادهم للتعاون مع أجهزة الدولة، مؤكدين رغبتهم في الاندماج داخل المنظومة الرسمية، مع طرح عدد من المبادرات، منها إنشاء كيانات منظمة تمثل القطاع الصناعي في باسوس.
بالإضافة إلى إقامة مجمعات خدمية بالجهود الذاتية لدعم البنية التحتية، وكذا تخصيص قطعة أرض لإنشاء وحدة حماية مدنية تخدم المنطقة وتعزز منظومة الأمان.
خارطة طريق واضحة
واختتم محافظ القليوبية الاجتماع بالتأكيد على استمرار التنسيق مع الجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الصناعة وهيئة التنمية الصناعية، لوضع آليات عملية وقابلة للتنفيذ لتقنين أوضاع المصانع غير المرخصة.
وأكد أن الهدف النهائي يتمثل في تحقيق الانضباط، وتوفير بيئة صناعية منظمة، ودمج الاقتصاد غير الرسمي داخل المنظومة الرسمية، بما يدعم توجه الدولة نحو اقتصاد أكثر استدامة وشمولًا.
بين الواقع والمأمول
وفي النهاية يبقى ملف “باسوس” نموذجًا حيًا لتحديات الصناعة في المناطق غير المخططة، حيث تتقاطع رغبة الدولة في التنظيم مع احتياجات المستثمرين للبقاء والنمو. وبين هذا وذاك، تظل الخطوة الأهم هي إيجاد توازن عملي يضمن استمرار الإنتاج، ويحقق في الوقت ذاته قواعد الاقتصاد الرسمي.