وائل عباس يكتب: عندما قابل الأندلسي الفايكينج
كانت إشبيلية ترفل في أثواب العز والرخاء، وكأنها لؤلؤة مستقرة في حضن الوادي الكبير والنهر الذي يسمونه الآن جوادالكيفير، كانت تُعد ثاني أهم مدينة في الأندلس بعد العاصمة قرطبة، ومركزاً يضج بالحياة والحركة التي لا تهدأ.
في طرقات المدينة، كان بوسع المرء أن يشم رائحة التوابل الزكية ويرى بريق الحرير القادم من الصين واقمشة تنيس المصرية والذهب المتدفق من أفريقيا في أسواقها العامرة؛ فقد كانت إشبيلية حلقة الوصل الكبرى حيث تلتقي خيرات الداخل بتجارة البحر عبر نهرها العظيم. وكان المسجد الجامع الكبير الذي اكتمل بناؤه حديثاً، يهيمن على أفق المدينة بمئذنته الشامخة التي تُرى من على بعد أميال والتي تسمونها في أيامكم الخيرالدا، كرمز لسيادة حضارة متطورة ورثت علوم الإدارة والفنون من دمشق وبغداد والقاهرة.
عاش السكان في طمأنينة خادعة استمرت لقرن ونصف من الزمان، حيث لم يعرفوا خلالها خطراً حقيقياً يهدد ديارهم. وبسبب هذا السلام الطويل وبعدهم عن ساحل المحيط الأطلسي بنحو 100 كيلومتر، ساد اعتقاد بأن الجغرافيا وحدها كفيلة بحمايتهم، مما جعلهم يرتكبون خطأً تاريخياً؛ فكانت إشبيلية مدينة بلا أسوار.
كان الناس ينامون في بيوتهم المريحة التي كانت تتدفق في بعضها المياه عبر قنوات رومانية مرممة، فخورين بتراثهم المعماري ومزارعهم الشاسعة من الزيتون والكروم والحبوب التي تحيط بالمدينة.
لم يتخيل أحد من هؤلاء المزارعين أو التجار أن النهر الذي كان طريقاً للثراء سيتحول فجأة إلى طريق للموت، وأن هذه الثقة المفرطة في المسافة والأمان ستقودهم إلى مواجهة كابوس لم يكن في حسبان أكثرهم تشاؤماً.
لم يكن فجر الخامس والعشرين من سبتمبر عام 844م فجراً عادياً؛ كان الضباب يلف نهر الوادي الكبير بغلالة بيضاء كثيفة جعلت كل شيء يبدو ساكناً وهادئاً بشكل مريب.
كنت من بين القلائل الذين استيقظوا مبكراً في ذلك اليوم، وقفت على الضفاف المنخفضة للنهر أراقب أشكالاً بدأت تبرز من وسط ذلك البياض. كانت أشكالاً طويلة ومنخفضة، تقطع المياه بإيقاع غريب لم أسمعه قط في سفن التجار التي تعبر إلينا؛ كان صوت المجاديف يتحرك بتناغم موسيقي دقيق ومخيف في آن واحد.
حين انقشع الضباب قليلاً، تجسد الكابوس أمام أعيننا، اكثر من خمسين سفينة طويلة، بمقادم مزينة برؤوس تنانين، برزت كأنها وحوش خرجت من الأساطير. لم نصرخ في البداية، بل وقفنا في صمت مذهول، نحاول استيعاب ما نراه؛ فمدينة إشبيلية تقع على بعد 100 كيلومتر من المحيط الأطلسي كما ذكرت، وكان من المستحيل في مخيلتنا أن تصل سفن حربية إلى قلب الأندلس دون سابق إنذار، وان كنا قد وصلتنا الاخبار المزعجة عن ما حدث في لشبونة لمدة 13 يوم من النهب. لكن السفن استمرت في التقدم، ومع اقترابها، بدأت ملامح المحاربين تتضح: رجال شاحبي البشرة، يحملون الفؤوس والدروع، وكانت نظراتهم حادة ومليئة بالتركيز، تماماً كنظرات المفترس وهو يقيس حجم فريسته.
وبينما كنا نتخبط في ذهولنا، كانت السفن ترسو بالفعل في “جزيرة أصلا مينور” (Isla Menor)، وهي منطقة مستنقعات كئيبة تقع في دلتا الوادي الكبير خارج أسوار مدينتنا، وبدأ مئات المحاربين ينزلون منها بسرعة واحترافية عالية.
بدأت الفوضى تعم المكان حاول بعض الحراس المحليين التصدي لهم في التاسع والعشرين من سبتمبر، لكنهم سُحقوا تماماً أمام هؤلاء الغزاة الذين كانوا يضربون كالبرق ويختفون كالدخان، رأيت بيوت جيراني تُنهب، وسمعت صرخات العائلات وهي تُساق مكبلة؛ فقد جاء هؤلاء المجوس طلباً للنهب والسبايا. لم يكن هدفهم احتلال المدينة لأغراض استراتيجية، بل لسرقة كل شيء ثمين، بما في ذلك البشر ليبيعوهم في أسواق العبيد البعيدة.
اتسم هجوم الفايكينغ (أو “المجوس”) على إشبيلية بعنف مفرط ومنظم استهدف البشر والحجر، حيث استغلوا كون المدينة غير محصنة وبلا أسوار ليحولوا شوارعها إلى ساحة للنهب والقتل. واجهت آلاف العائلات الإشبيلية الموت أو الاختطاف ليتم بيعهم في أسواق العبيد. استمرت عمليات السلب والنهب داخل إشبيلية لمدة سبعة أيام كاملة، وهي مدة طويلة جداً بمعايير غارات الفايكينغ الخاطفة، مما يعكس حجم الدمار الذي ألحقوه بالمدينة. شمل العنف والنهب استباحة حرمة المدينة وتراثها، بما في ذلك المسجد الجامع.
وقعنا في الأسر في غضون أيام قليلة. قيدونا بالحبال واقتادونا إلى معسكرهم الرئيسي في تلك المستنقعات الباردة. كانت الأيام هناك تمر ببطء قاتل، حيث افترشنا الأرض المبتلة وسط البرد القارس ورائحة مياه المستنقعات والقطران المحترق، كنا نراقب بأسى كيف يُكدس الغزاة كنوز إشبيلية في بطون سفنهم من ذهب وحرير وخزف مصري، ونسمع أحاديثهم الغامضة عن وجهتنا القادمة؛ فقد كانت النية تتجه لبيعنا في أسواق العبيد البعيدة التي تمتد من دبلن إلى القسطنطينية.
في تلك اللحظات المظلمة، ونحن محاطون برائحة مياه المستنقعات ونظرات الحراس الشماليين القاسية، فقدنا كل أمل؛ كنا نظن أن حياتنا قد انتهت، وأننا سنُساق إلى بلاد الصقيع وراء البحار، بعيداً عن شمس الأندلس التي لم نعد نراها إلا من خلف سياج الأسر.
مرّ شهر كامل ونحن في هذا الذل، لكننا بدأنا نلاحظ تغيراً في معسكر الغزاة. تسللت إلينا أخبار بأن الأمير عبد الرحمن ابن الحكم قد رفض التفاوض أو دفع الفدية، وأرسل جيشاً ضخماً بقيادة حاجبه عيسى بن شهيد بدأت المناوشات تزداد يوماً بعد يوم، ورأينا قلقاً غير معهود في عيون هؤلاء المحاربين الشاحبين.
وفي فجر يوم من أيام منتصف نوفمبر، وقعت الواقعة الكبرى في سهل طبلادة. من موقعنا في الأسر، سمعنا صهيلاً مرعباً وطبولاً تقرع بإيقاع الحرب، ثم رأينا الغبار يتصاعد من خيول الأندلس التي أحاطت بالمكان. رأينا الخيالة الثقيلة برماحهم الطويلة ينقضون على “جدار الدروع” الخاص بالمجوس، وبدأ الغزاة يتراجعون في فوضى عارمة نحو السفن التي كانت هي أملنا الوحيد في الرحيل وأملهم الوحيد في الهرب.
لكن المشهد الذي سيظل محفوراً في ذاكرتي هو ما حدث للأسطول. فجأة، انطلقت قذائف من المنجنيقات الإسلامية تحمل “النفط” أو النار الإغريقية.
رأينا السفن تنفجر واحدة تلو الأخرى بنيران بيضاء شديدة الحرارة، تنتشر فوق سطح الماء ولا يطفئها شيء. كانت صرخات المجوس وهم يشاهدون أسطولهم يتحول إلى هياكل متفحمة تمزق السكون، ورائحة الموت والبارود ملأت الأفق.
بعد سحق جيشهم وتدمير ثلاثين سفينة من أسطولهم، اضطر قادة المجوس المتبقون للتفاوض. وبموجب شروط عيسى بن شهيد الحاجب الصارمة، تم إطلاق سراحنا أخيراً. خرجنا من القيود لنجد منظراً تقشعر له الأبدان؛ بعد كل هذا العنف الذي حدث لم يكن المسلمون في حالة تسمح لهم بأخذ أسرى، ومن هنا كان هذا الرد العنيف الانتقامي واعدام مئات الغزاة، فقد أمر الأمير بتعليق جثث مائتين من الغزاة على أشجار النخيل في طبلادة وإشبيلية لتكون عبرة خالدة.
عدنا إلى إشبيلية، التي بدأت فوراً في بناء أسوار ضخمة ودار لصناعة السفن لضمان عدم تكرار هذا الكابوس. أما من بقي من المجوس الذين لم يرحلوا، فقد وقع بعضهم في أيدينا، ويا لغرابة الأقدار! فقد اعتنق بعضهم الإسلام واستقروا في الوديان المجاورة، بالمنطقة السفلى للوادي الكبير، وتحولوا من غزاة مرعبين إلى مزارعين مسالمين يبيعوننا الجبن في أسواق المدينة التي كادوا أن يمحوها من الوجود. ومع مرور جيل أو جيلين، أصبح أحفاد هؤلاء الفايكينغ غير قابلي التمييز عن بقية سكان المنطقة، حيث ذابوا تماماً في النسيج الاجتماعي والثقافي للأندلس.
نرشح لك.
اقرأ أيضاً في آفاق عربية
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
💬 كن أول من يعلق! وقول رأيك
شاركنا رأيك حول هذا المقال، وناقش مع الآخرين في التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.
كن أول من يشارك برأيه!