تتجه أنظار ملايين المسلمين نحو في كل عام، ليس فقط لمتابعة موسم الحج، بل أيضاً ترقباً للحظة استبدال كسوتها، ذلك الثوب الأسود المطرّز بخيوط الذهب والفضة، والذي يُعد أحد أبرز الرموز الروحانية وبين خيوط الحرير، والآيات المطرزة، والحرفيين الذين يعملون بصمت خلف الجدران، تختبئ حكاية تمتد عبر تُستبدل كسوة الكعبة مرة واحدة سنوياً، في مراسم خاصة ترتبط بأجواء روحانية وقبل موعد التبديل، تبدأ الفرق المختصة بتجهيز الثوب الجديد وفك أجزاء الكسوة القديمة بعناية شديدة، تمهيداً لإلباس الكعبة حلتها الجديدة
ورغم أن شكل الكسوة يبدو ثابتاً للعين، فإن كل ثوب يُصنع خصوصاً لذلك العام، بخيوط جديدة وتطريز متقن، ليبقى هذا التقليد واحداً من أبرز المشاهد حكاية بدأت قبل الإسلاميمتد تاريخ كسوة الكعبة إلى ما قبل الإسلام بقرون، إذ تذكر الروايات أن عدنان بن إد، الجد الأعلى للنبي محمد، كان من أوائل من كسوها، فيما تشير روايات أخرى إلى أن تبع الحميري، ملك اليمن، كان أول من كسا الكعبة في الجاهلية، كما صنع ومع مرور الزمن، توالت القبائل العربية على كسوتها، حتى جاء قصي بن كلاب، الجد الرابع للرسول، فنظّم ثم برز التاجر القرشي أبو ربيعة المخزومي، الذي تكفل بكسوتها عاماً كاملاً من ماله الخاص، لتتناوب قريش بعده على هذا الشرف
ومع قيام الدول الإسلامية، تطورت الكسوة تطوراً كبيراً من ففي العصر الأموي، كانت الكعبة تُكسى مرتين في العام، بينما شهد العصر العباسي ظهور الكتابات المطرزة على الكسوة، حيث اعتاد الخلفاء تدوين ولقرون طويلة، تولّت صناعة الكسوة، واشتهرت بحياكة الثوب الأسود المطرّز بخيوط الذهب والفضة، قبل أن تنتقل هذه المهمة أما أول كسوة في العهد السعودي الأول، فكانت في زمن الإمام سعود بن عبد العزيز عام 1221هـ/1806م، حين كسا الكعبة بالخز الأحمر، قبل أن يصبح وفي عام 1927م، أمر الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود بصناعة أول كسوة سعودية كاملة داخل مكة، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ هذا الثوب المهيب
داخل مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبةفي مكة، يقف مجمع الملك عبد العزيز لكسوة الكعبة بوصفه إحدى أكبر المنشآت المتخصصة في حياكة الحرير ومن داخل هذا المجمع، تُصنع الكسوة سنوياً عبر مراحل دقيقة يشرف عليها بدأت رحلة المملكة مع صناعة الكسوة منذ عهد الملك عبد العزيز، عبر دار خاصة أُنشئت في مكة، قبل انتقال العمل لاحقاً إلى مصنع كسوة الكعبة ومع تطور التقنيات، شهد المجمع تحديثات واسعة في الأنظمة الإلكترونية والمعدات الميكانيكية، ليصبح مركزاً يجمع بين الحرفة ويضم المجمع أقساماً متعددة تشمل المصبغة، والنسيج الآلي، والنسيج اليدوي، وال، والحزام، والمذهبات، والخياطة، وتجميع الكسوة، في منظومة متكاملة تُنجز هذا الثوب الاستثنائي كل عام
من الحرير الإيطالي إلى أغلى ثوب في العالمتبدأ صناعة الكسوة باختيار أجود أنواع الحرير الطبيعي المستورد خصوصاً من، حيث يُفحص بدقة قبل صباغته باللون الأسود، اللون الذي ارتبط تاريخياً بكسوة الكعبة بعد ذلك، ينتقل الحرير إلى مرحلتي النسيج الآلي واليدوي، حيث تُحاك قطع القماش الضخمة على أنوال مبرمجة بدقة، قبل أن تبدأ مرحلة ال باستخدام تقنية "السلك سكرين"، لنقل الآيات ثم تأتي المرحلة الأكثر دقة، وهي التطريز اليدوي، حيث تُطرّز الآيات القرآنية بخيوط الذهب والفضة في عمل يستغرق وقتاً وجهداً كبيرين من الحرفيين وتُستهلك في صناعة الكسوة سنوياً نحو 670 كيلوغراماً من الحرير الطبيعي، إضافة إلى 120 كيلوغراماً من الذهب والفضة، فيما تتجاوز تكلفتها 25 مليون ريال سعودي، ما يجعلها أغلى ثوب في العالم، ليس فقط لقيمة مواده، بل أيضاً لمكانته الدينية والرمزية
الخط العربي… حين تتحول الآيات إلى فنلا تُعد كسوة الكعبة مجرد ثوب، بل لوحة فنية إسلامية تتجلى فيها روعة وتبرز الآيات القرآنية المطرزة بخيوط الذهب والفضة بوصفها العنصر الأهم في تصميم الكسوة، حيث تتوزع بتناغم على الحزام وستارة باب ويُستخدم "خط الثلث" أساساً في تطريز الكسوة، لما يتميز به من فخامة وانسيابية وقدرة على إبراز جمال الحروف العربية، فيما تمر الكتابات بمراحل تصميم و وتطريز متخصصة للحفاظ على الهوية الفنية المميزة للكسوة
أين تذهب الكسوة القديمة؟بعد استبدال الكسوة، إذ تُفكك الكسوة بعناية، ثم تُحفظ وفق إجراءات خاصة تراعي قيمتها التاريخية والدينية، بما يمنع تعرضها وفي بعض الحالات، تُهدى أجزاء من الكسوة القديمة إلى متاحف أو شخصيات وجهات رسمية، وفق إجراءات معتمدة وموافقات خاصة، لتبقى هذه القطع شاهدة على واحد من أكثر الرموز قدسية في العالم الإسلامي
اقرأ أيضاً في آفاق عربية
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
💬 كن أول من يعلق! وقول رأيك
شاركنا رأيك حول هذا المقال، وناقش مع الآخرين في التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.
كن أول من يشارك برأيه!