بمشروع فني واضح الملامح ورؤية تراهن على الجسد والصورة، تواصل المخرجة تغريد عبد الرحمن تقديم تجارب مسرحية تشتبك مع أعقد الإشكاليات الإنسانية، وعبر مسيرة حافلة، أثبتت "تغريد" أن المسرح لديها ليس مجرد نص يُلقى، بل هو تجربة حسية متكاملة تعتمد على تدريب الممثل ليفهم شخصيته من الداخل.
من القسوة النفسية إلى المسرح المدرسي
تنوعت تجارب المخرجة بين نصوص شديدة القسوة النفسية كما في عرض "تصبحين على خير يا أمي"، حيث فجرت التوتر من خلال الصمت ولغة الجسد، وبين التفكيك البصري في "أحلام شقية" لسعد الله ونوس، ولم يغب الدور التربوي عن مشروعها، إذ أعادت صياغة عرض "استدعاء ولي أمر" ليناسب الوعي الطلابي في المسرح المدرسي بذكاء درامي يحاكي تساؤلات المراهقين.
مسرح الصورة والمغامرة الإخراجية
وتجلت ذروة تجربتها البصرية في عرض "بلاك"، حيث تحول الجسد إلى الوسيط الأساسي للتعبير عن العزلة الحسية، أما المغامرة الأجرأ فكانت في عرض "الحفرة"، الذي طوعت فيه الفضاء المسرحي بشكل غير تقليدي، واضعةً آفاق عربية في مستوى مرتفع يراقب الانهيار التدريجي للشخصيات داخل حفرة حقيقية، في إسقاط بصري ودلالي يدمج المتفرج في قلب الدراما.
يسعى مشروع تغريد عبد الرحمن إلى إعادة تعريف العلاقة بين (النص، الممثل، والفضاء)، مع التركيز على "الإيقاع" كعنصر درامي أساسي يمنح عروضها حيوية مستمرة، مما يجعل تجربتها واحدة من أكثر التجارب جديرة بالانتباه والتحليل في المسرح العربي الحديث.