عبد الغني الحايس يكتب: أحلام الطفولة
أغمضتُ عينيَّ وأطلقتُ لخيالي العنان، أن يصحبني في رحلةٍ طويلةٍ هي عمري؛ طفولتي، شبابي، ما بين الحلم والطموح، وما بين اليأس والانكسار. أيامٌ كنتُ فيها سعيدًا، وأيامٌ جلستُ فيها منزوياً أعاقب نفسي على انهزامي وانكساري.
في قريةٍ صغيرةٍ كان عالمي الأول، كان انتمائي إليها مطلقًا؛ أعيش فيها كالسمك، إن خرجتُ منها تهتُ وتشتتُّ. أتقنتُ ثقافتها وهويتها وتقاليدها، قلّدتُ فيها جدّي، ومشيتُ وتكلمتُ كأبي، لبستُ عباءتهم، راقبتُ الكبار في تصرفاتهم، حتى أحسستُ أنني وُلدتُ كبيرًا أجيد حكمتهم ومنطقهم.
انقطعتُ عن رفاق طفولتي، وسلّمتُ نفسي لوحدتها، أسمع وأشاهد، وأتقمص شخصياتي.
وتقمصتُ شخصياتٍ قرأتُها؛ كنتُ فيها خالد بن الوليد تارة، وأحمس قاهر الهكسوس، وقطز رادع التتار، مع أنني لا أستطيع الخروج من خندقي وعزلتي.
علّمتني الأرض حب الوطن، وتعلمتُ الزرع والغرس، ذاكرتُ دروسي واجتهدتُ، حاولتُ إرضاء الجميع، وتفانيتُ في أن أكون الأفضل.
تخيلتُ أن هناك من ينظر إليّ، يراني، يدرك شغفي وحدسي وجهدي، لكنني كنتُ مخطئًا؛ كانت كلها خيالات في رأسي فقط، لم يسمعني غير نفسي وكلماتٌ متناثرة تركتُها في كراستي.
كانت الحياة بسيطة، وكانت أبسط الأشياء تُسعدني، وكانت شجرة التوت ونيسي، مملكتي التي ألتقي فيها مع شخصياتي، أبوح لها في صمت، وتُعنفني نفسي أن العالم خارج حدود تلك البقعة المكانية.
وقد اكتشفتُ ذلك في بداية المرحلة الثانوية، عندما استبدلتُ شجرة التوت بالمكتبة العامة، فانغمستُ فيها بكل طاقتي، وتعرّفتُ على شبابٍ في عمري لم تحيَ حياتي، ولم تتكلم لهجتي، ولكنني ظللتُ مقيّدًا بإرثي.
كنتُ محتاجًا يدًا تُربّت عليّ، ترشدني، تأمرني أن أكتب صمتي، أبوح بأسراري، أن أُسطّر عالمي، أن يسمعني أحد، لكن عجزي كان أكبر من قدرتي على المقاومة، فاستسلمتُ لصمتٍ قاتل، يحاربني وأحاربه، يقاومني وأتمرد عليه. فالحلم لا يصنع مستقبلًا، لن يأتي لي ببدلةٍ جديدة، ولا حذاءٍ مريح، ولن يرسلني إلى حيث أريد؛ فظروفي أقوى من حلمي، ولن أتمرد عليها أبدًا.
ملأتُ كراستي وعشراتٍ مثلها، أحرقتُها جميعًا وقت أن انتصر الواقع على الأحلام، وقت أن أجبرتني أن أنسى الأحلام وأعيش واقعي، فرفعتُ راية الاستسلام، ومضيتُ إلى حيث أراد القدر.
تخيلتُ في وقتٍ ما أن المستقبل ستُكتب بدايته في عالم السلطة الرابعة، وأنني أتفلسف كأنيس منصور، وأتقّمص كبرياء يوسف إدريس، وصورتي منشورة في باب “العالم بين يديك” في الأخبار، أحلل الوضع المأساوي لحرب الخليج الأولى.
بكيتُ وقت حادث الاعتداء على مبارك في أديس أبابا، وهتفتُ ضده في ثورة 25 يناير.
كرهتُ حركة الضباط الأحرار، وأيّدتُ الرئيس السيسي وقت جبروت الإخوان المسلمين.
أحببتُ فاروق ملكًا على مصر، وانتظرتُ محمد عليّ جديدًا يأخذ مصر إلى حيث نحب ونتمنى.
كانت بلدي هي أرقى أحلامي، كنتُ أجلس بالساعات في المتحف المصري، أنظر في صمت إلى قوتهم وعلمهم وقدرتهم الفائقة على التقدم وبناء حضارةٍ ستعيش إلى نهاية العمر، وما بين وضعٍ مزرٍ ومأساوي وتخلفٍ عن ركب التقدم والنهضة نعيشه.
تقدمتُ باعتذارٍ إلى أجدادي أننا لم نكن على العهد، ولم نكن أوفياء في أن نسير على دربهم، فتهنا وتخلفنا وعشنا في عصرٍ من الظلمات والجهل.
ونحن أصحاب الإرث التاريخي والحضاري العظيم، من علّم الدنيا العلم والطب والفلك والفلسفة والجغرافيا والهندسة، من سكن القصور وأقام المدن والمعابد وعرف التوحيد والانتصار، صاروا اليوم يتخبطون، مدينين، يعيشون على أطلال ماضٍ لن يعود، طالما الفساد والرشوة والمحسوبية تسكنهم وتطغى على مسؤوليهم.
انتفضنا في ثورتنا نريد التغيير، تمردنا، ولكننا قتلناها في مهدها، تنازعنا على دور البطولة، فعدنا من حيث بدأنا نجر خيبات الأمل وضياع الفرص.
كنتُ أتابع في صمت، وتلك خطيئتي، هزمني الخوف كعادتي، مع أنني أصرخ من داخلي أننا نرتكب الخطيئة الكبرى، وسنهزم كعادتنا بسبب تناحرنا على من يدخل كادر تلك الصورة البالية ويدّعي دور البطولة.
كانت الحكمة المستحدثة تتحكم في طبيعة الأمور: إن أردت أن تكون بطلًا فتعلّم الكذب، كن أنانيًا، انتهازيًا، تكلم بلغة المنتصرين، لا تتذكر حوائج المحتاجين القابعين في تلك القرى والأحياء المكتظة بسكانها، في سكونهم وخضوعهم ومشكلاتهم، فقد تعودوا على حالهم. لا تنتفض من أجلهم، ولكن تكلم بلسانهم، ودقّق وصف أحوالهم حتى تصير بطلًا.
الحقيقة أنهم يكذبون، ومن تكرار كذبهم صدّقوا أنفسهم أنهم أبطال، وهم مجموعة من الخونة المنتفعين.
تلك هي الحقيقة: سيناريو العصامية وبناء الذات والتسلق من قاع الهرم إلى قمته، إنها أكذوبة دائمة، يجيدها المصفقون، من يروجون للسراب أنه نهر لا تنقطع مياهه؛ فالبلاد مورثة، والدليل دامغ، لكننا نراوغ ونلتف على الحقيقة باسم القدرة والكفاءة.
هل ضاع العمر وراء سراب؟
الطفل كان كل الأطفال الذين يبحثون عن أمل، عن طريقٍ لمجتهد، لموهوب، لصاحب عقلٍ متقد، لشغوفٍ يتأمل ما لا نعرفه، ويجيد ما لا نفهمه، لمستقبلٍ يحلم بغدٍ رائق، وبلدٍ حاضن، ودستورٍ يجعل من الجميع سواء فعلًا لا كتابةً.
ما زال الطفل يجيد كتابة الأحلام، ويطلق لخياله أن يعيش حياةً غير حقيقية في صمته وحلمه، والواقع أن هؤلاء هم الصامتون المنكوبون.
في كتاب التاريخ، كثيرٌ من الأطفال جعلت أحلامهم واقعًا، كوان ليو، ومهاتير محمد، ومحمد علي الكبير، وغاندي، فقط عندما تنتصر المبادئ والقيم الأخلاقية على الانتهازية والأنانية.
أتمنى أن يولد من يحلم لوطنه بالرفاهية والتقدم، ويحوّل حلمه إلى واقع، وقتها سنكون كلنا سواء.