محمد تركي يكتب لـ””: حين تُطفأ الأنوار مبكرًا. هل تُحل الأزمة فعلًا؟
قبل التاسعة مساءً بدقائق، يبدأ محمود العامل في مقهى صغير في النظر إلى الساعة أكثر من مرة، ليس لأنه يريد إنهاء يوم العمل بل لأنه يعرف ما سيحدث بعد دقائق، الأنوار ستُطفأ، الزبائن سيغادرون، واليوم سينتهي قبل أن يبدأ الجزء الذي يعتمد عليه فعليًا.
محمود لا يعيش من ساعات الظهيرة الهادئة، بل من تلك الساعات الليلية حيث يمتلئ المكان قليلًا ويبدأ اليوم أخيرًا يؤتي ثماره، لكن حين يُفرض إغلاق المحال في التاسعة مساءً تختفي تلك الساعات ببساطة.
في التقارير الرسمية سيبدو القرار منطقيًا: إغلاق مبكر يعني استهلاكًا أقل للكهرباء وبالتالي ضغطًا أقل على الشبكة، لكن الاقتصاد الحقيقي لا يُقرأ فقط في عدادات الكهرباء، بل يُقرأ أيضًا في عدادات الرزق.
ففي بلد مثل مصر يتركز جزء كبير من النشاط الاقتصادي في المساء، المطاعم، المقاهي، متاجر الملابس، خدمات التوصيل، الباعة الصغار، كل هؤلاء يعتمدون على الليل كجزء أساسي من دورة العمل، النهار في كثير من الأحيان بطيء والبيع فيه قليل، أما الليل فهو الوقت الذي يبدأ فيه السوق بالحركة، فحين يُختصر الليل بقرار إداري، لا يتم فقط توفير بعض الطاقة… بل يتم أيضًا اختصار جزء من اليوم الاقتصادي نفسه.
النتيجة الحتمية هي مبيعات أقل ودخل أقل للعمال، أرباح أقل للمحال الصغيرة واحتمال أكبر للاستغناء عن بعض العمالة، هذه الخسائر لا تظهر في تقارير استهلاك الكهرباء، لكنها تظهر بسرعة في جيوب الناس، وبينما قد يبدو توفير الكهرباء رقمًا واضحًا في التقارير الرسمية، فإن الخسائر الاجتماعية والاقتصادية تكون أقل وضوحًا… لكنها أكثر عمقًا.
المشكلة هنا ليست في الهدف، فإدارة أزمة الطاقة ضرورة لأي دولة، لكن المشكلة في طريقة التفكير التي تُدار بها الأزمة، قرار إغلاق المحال مبكرًا يعكس أسلوبًا قديمًا جدًا في إدارة الأزمات: حين يزيد الاستهلاك… نقلل النشاط، هذه الطريقة تنتمي إلى زمن كانت فيه الدولة تتعامل مع الاقتصاد كأنه مفتاح كهرباء: إما تشغيل… أو إيقاف، لكن الاقتصاد الحقيقي ليس كذلك، الاقتصاد شبكة معقدة من البشر والفرص والدورات الصغيرة للحياة اليومية، وحين يتم تقليص ساعات النشاط، فإن ما يتقلص في الحقيقة ليس استهلاك الطاقة فقط. بل مساحة الرزق نفسها.
العالم اليوم يتعامل مع أزمات الطاقة بطريقة مختلفة تمامًا، بدل إطفاء الأنوار مبكرًا، تلجأ الدول إلى سياسات أكثر ذكاءً مثل تسعير الكهرباء بشكل مختلف في ساعات الذروة وتشجيع الإضاءة والأجهزة الموفرة للطاقة مع دعم التحول إلى تقنيات أكثر كفاءة بالإضافة لنشر الطاقة الشمسية الصغيرة للمحال والمباني واستخدام أنظمة ذكية لإدارة الأحمال.
هذه السياسات تقلل الاستهلاك دون أن تقلل حركة الاقتصاد، فليس كل توفيرٍ في الموارد يُعد مكسبًا خاصة إذا جاء على حساب الحركة الاقتصادية وحياة الناس، أما الحل الأسهل — إغلاق المحال مبكرًا — فهو يحقق التوفير عبر تقليل الحياة نفسها، ولهذا ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه ليس هل يوفر هذا القرار كهرباء؟ بل سؤال آخر أكثر أهمية وهو هل ما زلنا نواجه أزماتنا بالعقلية الكلاسيكية القديمة نفسها ام نفكر بشكل حداثي ومبتكر؟
لأن الفرق بين الطريقتين بسيط في الظاهر لكنه عميق في المعنى، إحدى الطريقتين تحل الأزمة عبر إطفاء الأنوار، والأخرى تحلها عبر إدارة الضوء بذكاء، والدول الحديثة لا تتقدم لأنها تطفئ الأنوار مبكرًا… بل لأنها تعرف كيف تبقيها مضاءة بأقل تكلفة ممكنة.