من حلم الديوان الأول في الصعيد، إلى كتابة وجدان أمة كاملة في لحظات الانكسار والانتصار، يظل “الخال” واحدًا من بين أهم الشعراء الذين كتبوا العامية المصرية بصدق نادر
لم تكن كلمات عبدالرحمن الأبنودي، مجرد أغنيات تغنى، بل كانت حكايات للناس ونبض للشارع وتاريخ يحكى بصوت بسيط وقوي في نفس الوقت
ومع حلول شهر أبريل، الذي يجمع بين ذكرى ميلاده يوم 11، وذكرى وفاته يوم 21، نستعيد أهم محطات في مشواره، من خلال 5 حكايات شكلت ملامح أسطورته الفنية والإنسانية
الحكاية الأولى: حلم الديوان من قلب الصعيد
في ستينيات القرن الماضي، كان نشر ديوان شعر، بمثابة حلم بعيد المنال لأي شاعر شاب، خاصة مع قلة دور النشر وترددها في دعم الأسماء الجديدة، في هذا الوقت كان هناك جيل كامل يحاول أن يثبت نفسه، من بينهم صلاح جاهين وسيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي
الحل جاء بشكل جماعي، عندما اقترح الشاعر سيد خميس إنشاء دار نشر “ابن عروس”، ومن خلالها خرجت أولى أعمالهم، وكان من بينها ديوان الأبنودي “الأرض والعيال”
ورغم أن كل شاعر حصل على 10 نسخ من ديوانه، إلا إنها كانت بمثابة شهادة ميلاد جديدة له، في ذلك الوقت أهدى الأبنودي النسخ لأصدقائه، وهو مؤمن أن القيمة الحقيقية ليست في البيع لكن في الكلمة نفسها
والجدير بالذكر أن كل قصائد الديوان كانت مكتوبة في قريته “أبنود” بمحافظة قنا، مستلهمة تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، التي ستظل طول العمر الأساسي لكتاباته
الحكاية الثانية: صوت الوطن مع العندليب
في واحدة من أصعب لحظات مصر بعد حرب 1967م، كان للأبنودي دور كبير في تشكيل الوجدان العام من خلال أغانيه مع الفنان عبد الحليم حافظ
فالعديد من الأغاني مثل “عدى النهار” و“بحلف بسماها” بألحان كمال الطويل، لم تكن مجرد أغانٍ عادية، بل كانت توثيق حي لحالة شعب كامل بين الانكسار والأمل
الأبنودي بدأ كتابة الكلمات وهو في القطار من الصعيد للقاهرة، قبل اندلاع الحرب بساعات، وعند وصوله تم تسجيل الأغاني بسرعة، وفي نفس الوقت كانت الحرب قد اندلعت والنكسة على الأبواب
ولكن عبد الحليم لم يعتبرها نهاية بل لحظة مؤقتة، وظل يغني هذه الأغاني بعدها، كأنها محاولة لإعادة بناء الروح الوطنية
بليغ والعندليبالحكاية الثالثة: تمرد على حلم “كوكب الشرق”
رغم أن التعاون مع أم كلثوم كان بمثابة الحلم لأي شاعر، إلا أن الأبنودي كان له رأي مختلف، عندما قال له بليغ حمدي إن أم كلثوم تريد الغناء له، رفض أن يقدم لها أغنية “بالراحة”، لأنه يرى أنها ليست على مستوى تاريخها، وكانت الأغنية في النهاية من نصيب فايزة أحمد
وتكررت محاولات التعاون أكثر من مرة لكنها لم تكتمل، إما بسبب خلافات فنية أو تمسك الأبنودي برؤيته، حتى حين حاولت أم كلثوم غناء “ابنك يقولك يا بطل”، رفض نقل الأغنية من صوت عبد الحليم، وكان قرار جريء لكنه يؤكد أن الأبنودي كان يختار فنه بقناعة، ليس بالمكانة أو الشهرة
الحكاية الرابعة: “عدوية” من الواقع للأغنية
واحدة من أشهر أغانيه، “عدوية”، بدأت بموقف بسيط جدًا، عندما التقى بخادمة عند الملحن عبد العظيم عبد الحق وسألها عن اسمها، قالت: “عدوية” من الصعيد
الاسم لفت نظره وشعر أنه يحمل قصة كاملة، فكتب الأغنية وبعد ما اعتذر عبد العظيم عن تلحينها، فذهبت الأغنية لـ بليغ حمدي، الذي قدمها بروح فلكلورية مميزة، وغناها محمد رشدي ونجحت جدًا
محمد منير والأبنودي
وكان على قناعة أن صوت رشدي هو الأنسب لنقل روحه الصعيدية، وهي بداية تعاون ناجح بينهما في أغانٍ كثيرة
الحكاية الخامسة: إيمان بمشروع محمد منير
في بداية مشواره كان محمد منير مشروعًا مختلفًا، والأبنودي كان من أوائل الذين آمنوا به، وتعاونهم بدأ في ألبوم “شيكولاتة”، خصوصًا في أغنية “كل الحاجات”، التي قدمت مفارقة غريبة؛ موسيقى مبهجة من هاني شنودة، وكلمات حزينة عن الفقد والموت