إسلام عوض يكتب: شطرنج الممرات. إيران بين مطرقة واشنطن وسندان “طريق الحرير”
في اللحظة التي أعلن فيها البنتاغون أن الرقابة على البنية التحتية الإيرانية “إجراء دائم لا رجعة فيه”، لم تكن واشنطن تضع قيداً على طهران فحسب، بل كانت ترسم “خط استواء” جديداً يقسم العالم بين نظام قديم يرفض الرحيل ونظام صاعد يقاتل من أجل الولادة.
إن هذه الحرب، في جوهرها، هي الصدام الكبير بين “الهيمنة الأحادية” الأمريكية والطموح “الأوراسي” الذي تقوده الصين، حيث تحولت الجغرافيا الإيرانية من جسر عبور للتجارة العالمية إلى “مختبر جيوسياسي” لتكسير العظام.
هندسة الانكسار: الرقابة الأبدية وسلاح “الإنكار المادي”
تدرك واشنطن أن “طريق الحرير” الصيني ليس مجرد مسارات للتجارة، بل هو “نظام تشغيل عالمي” يهدف لإزاحة الدولار، لذا، انتقلت الاستراتيجية الأمريكية نحو “الإنكار المادي للجغرافيا”؛ فالرقابة الدائمة تهدف لضمان بقاء الاستثمارات الصينية البالغة 400 مليار دولار في إيران (خاصة الـ 120 ملياراً المخصصة للاتصالات والسكك الحديدية) “عمياء استراتيجياً”.
إن الحصار الحالي الذي يحرم طهران من 120 مليون دولار يومياً من عوائد النفط، ليس إلا أداةً لشلّ قدرة “التنين” على تمويل أذرعه في قلب الخليج.
المحور المصري: عبقرية “الحياد النشط” في قلب العاصفة
وسط هذا الصدام الكوني، برز دور مصر كـ “رمانة ميزان” لا غنى عنها؛ حيث نجحت القاهرة في فتح قنوات اتصال خلفية صلبة بين واشنطن وطهران، مرسخةً مبدأ “إعلاء صوت العقل”.
إن تمسك القوى الثلاث (أمريكا، وإيران، وباكستان) بالوساطة المصرية ينبع من مصداقية القاهرة التي ترفض الصراعات الصفرية، ومن ثقلها كحارس تاريخي لقناة السويس.
وقد أجهضت الدبلوماسية المصرية محاولات إقليمية حثيثة لتهميش دورها، وهي المحاولات التي نبعت من تنافس على “الزعامة الجيوسياسية”، لكنها اصطدمت بحقيقة أن أي حل يتجاوز القاهرة يفتقد للشرعية الإقليمية والضمان الجغرافي.
الالتفاف الأوراسي وحافة الهاوية: “أساطيل الظل” والبديل الروسي
في خضم الحصار، جاء تصريح سيرغي لافروف عن إمداد الصين بالنفط كبديل للمسار الإيراني ليعلن ولادة “كتلة القارات الصلبة”.
ميدانياً، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي؛ بل فعلت استراتيجية “الاستنزاف المتبادل” عبر “أساطيل الظل” لتهريب النفط، تزامناً مع تصعيد عسكري بالتهديد بإغراق السفن الأمريكية وتوسيع رقعة الصراع لتشمل البحر الأحمر، بهدف رفع “علاوة المخاطر” عالمياً وإثبات أن تكلفة الحصار ستطال الجميع.
مخاض القوى: “دبلوماسية الودائع” واتفاقيات الدفاع
تظهر باكستان في هذا المشهد كـ “رئة” بديلة للصين، وهنا تبرز عبقرية التوازنات المالية والعسكرية:
المحور السعودي – الباكستاني: الدعم السعودي بوديعة 3 مليار دولار، وتسهيلات نفطية بـ 1.2 مليار دولار سنوياً، يرتكز على اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1982؛ حيث تمثل باكستان “العمق العسكري” للرياض مقابل الحماية المالية السعودية.
الجراحة الإماراتية: يمثل سحب الإمارات لوديعة الـ 2 مليار دولار (نحو 20% من سيولة باكستان) “بطاقة صفراء” سياسية لإعادة ضبط البوصلة الباكستانية بعيداً عن الاستحواذ الصيني المطلق على ميناء “جوادر”.
حراس الموازين: من يحكم “القفل” يحكم العالم
تحرك مصر وتركيا ودول الخليج بدبلوماسية “السير على الحبال”؛ فبينما تسعى القاهرة لحماية قناة السويس، تراهن واشنطن على ممر (IMEC) البديل الذي يقلل وقت الشحن بنسبة 40%.
إننا أمام لحظة “الفرز التاريخي الكبير”؛ فالحرب في إيران وعليها هي المعركة التي ستحدد ما إذا كان القرن الحادي والعشرين سيبقى “أمريكياً بامتياز” أم أنه سيشهد ولادة عالم “متعدد الأقطاب” يُكتب دستوره في عواصم الشرق.
مخاضُ العالم. والرهانُ على “الحكمة”
إننا نعيش اليوم لحظةَ “الفرز التاريخي الكبير”؛ حيث لم تعد الجغرافيا الإيرانية مجرد رقعة صراع إقليمي، بل أصبحت المختبرَ الذي يُختبر فيه صمود النظام العالمي القديم أمام طموحات الصعود الجديد، وبينما تحاول واشنطن إحكامَ “قفل الجغرافيا”، يبرز الدور المصري المحوري ليس فقط كوسيط، بل كصمام أمان يحول دون تحول “صراع الممرات” إلى حريق عالمي.
لقد أثبتت الأيام أن الجغرافيا قد تمنح القوة، لكن “الحكمة السياسية” وحدها هي من يمنح الاستقرار؛ وبدون الحلول الدبلوماسية المتوازنة التي تتبناها القاهرة، سيبقى “شطرنج الممرات” لعبة بلا رابح، وطريقاً مفتوحاً نحو فوضى دولية لا يحكمها قانون سوى منطق القوة.
نرشح لك.