في زمن تُقاس فيه نضارة البشرة بلمعة تُشبه الزجاج، لم يعد السعي إلى "البشرة المثالية" يقتصر على الكريمات أو روتين العناية اليومي، من الماسكات إلى المكمّلات، وصولاً إلى ما يُعرف بـ "تناول "، تتبدّل الأساليب، ويظهر ترند جديد: الكولاجين على شكل "جيلي" منزلي يُؤكل على أمل أن يُعيد للبشرة شبابها من الداخل
لكن، خلف هذا الوهج الرقمي، يطرح العلم سؤالاً أكثر هدوءاً: هل ما نأكله من كولاجين يصل فعلاً إلى بشرتنا كما هو؟ أم أنّ الرحلة داخل الجسم أكثر تعقيداً ممّا يبدو على " "
ترند "الكولاجين المأكول"… بين الترند والحقيقةانتشرت أخيراً بين الفتيات عبر فكرة تناول الكولاجين المُحضَّر في المنزل لتعويض الكولاجين الموجود في إلا أن اختصاصية التغذية داليا حرب تؤكد أن هذه النظرية "ليست دقيقة علمياً، فالجسم لا يمتص الكولاجين الغذائي على صورته الأصلية، بل يُحلّله إلى وحداته الأصغر، ثم يعيد استخدام هذه الوحدات وفق احتياجاته الحيوية"
الكولاجين هو البروتين البنيوي الأكثر وفرة في جسم الإنسان، ويُشكّل مكوّناً أساسياً في الجلد والغضاريف، ومع التقدّم في العمر، يبدأ إنتاجه الطبيعي بالتراجع تدريجياً، وهي عملية فسيولوجية ويتكوّن من أحماض أمينية مميّزة، أبرزها الغليسين، والبرولين، والهيدروكسي برولين، وهي عناصر أساسية في بنية الأنسجة الضامّة
في المقابل، تميل اختصاصيات البشرة والتجميل إلى اعتماد مقاربة مختلفة، تقوم على تحفيز وتوضح اختصاصية الجلد مايا هبر أن "الممارسات المعتمدة في هذا الإطار تشمل تقنيات مثل الليزر، والميكرونيدلينغ، والتقشير الدقيق، وهي وسائل وتضيف أن هذه التقنيات "تُستخدم لتنشيط الجسم ودفعه إلى إنتاج كولاجين جديد، بالاستفادة من الأحماض الأمينية التي يحصل عليها من الغذاء"
كيف يتعامل الجسم مع الكولاجين الغذائي؟تشير حرب إلى أن، سواء جرى تناوله على شكل "جيلي" منزلي أو كمكمّلات غذائية، يخضع للهضم الإنزيمي داخل الجهاز الهضمي، حيث يتحوّل إلى ببتيدات صغيرة وقد أظهرت بعض الدراسات أن هذه الببتيدات قد تتمتّع بتوافر حيوي جيد نسبياً، إلا أن ذلك لا يعني انتقال الكولاجين نفسه مباشرة إلى الجلد أو المفاصل
وتتنوّع طرق استهلاك الكولاجين بين الغذائي والموضعي، إلا فالكولاجين الغذائي يعمل عبر الجهاز الهضمي، ويوفّر مواد أولية قد تدعم تصنيع الكولاجين أما الكولاجين الموضعي في الكريمات، فيرتبط تأثيره غالباً بترطيب سطح الجلد وتحسين ملمسه، نظراً لصعوبة نفاذ الجزيئات البروتينية الكبيرة إلى الطبقات العميقة من البشرة
وتوضح حرب أنه عند الطهي الطويل للعظام أو الأنسجة الغنية بالكولاجين، يتحوّل جزء كبير منه إلى جيلاتين، وهو شكل متحوّر من الكولاجين، قبل أن يُفكّك لاحقاً في وهنا تبرز النقطة العلمية الأساسية: ما يصل إلى الجسم ليس كولاجين جاهزاً للبشرة، بل مواد أولية بروتينية يعيد الجسم توظيفها وفق أولوياته الأيضية
انطلاقاً من ذلك، يمكن اعتبار الكولاجين المنزلي غذاءً غنياً ببعض الأحماض الأمينية الداعمة، لكنه ليس علاجاً مباشراً ولا بديلاً من وتشير الدراسات السريرية إلى أن أي أثر محتمل لمكمّلات الكولاجين المتحلّل يحتاج عادةً إلى 8–12 أسبوعاً من الاستخدام المنتظم، وغالباً ما تكون نتائجه متواضعة، مع تفاوت واضح بين الأفراد تبعاً للعمر والحالة الغذائية ونمط الحياة والعوامل الوراثية
من يستفيد… وكيف ندعم إنتاج الكولاجين؟وتلفت حرب إلى أن الفئات الأكثر استفادة قد تشمل من تجاوزوا سن الثلاثين، حيث يبدأ الانخفاض الطبيعي في إنتاج الكولاجين، إضافة إلى الرياضيين الذين يتعرّضون لإجهاد متكرر على المفاصل، والأشخاص الذين لا يحصلون على كفايتهم من، أو يتّبعون نظاماً غذائياً يفتقر إلى العناصر الداعمة لتكوين الكولاجين
أما في ما يتعلّق بالطرق الأكثر فعالية لدعم إنتاج الكولاجين، فتشدّد على أهمية نمط الحياة المتكامل، بدءاً من تناول غذاء غني بالفيتامينين C وA، والعناصر المعدنية مثل الزنك والنحاس، وصولاً إلى الإكثار من مضادات الأكسدة، والحفاظ على نومٍ جيد، كما تنصح بتجنّب التدخين والأرجيلة ومنتجات مثل IQOS، والحدّ من الإفراط في السكريات المضافة التي تُسرّع تضرّر ألياف الكولاجين عبر عمليات "الغلكزة" (Glycation)
وأكدت حرب أن "الكولاجين المنزلي ليس سحراً كما يُروَّج له، لكنه قد يكون جزءاً من تغذية داعمة إذا أما الركيزة الحقيقية لصحة الجلد والمفاصل والأنسجة الضامة، فتبدأ من التغذية المتكاملة، وكفاية البروتين، وتوفّر العناصر الدقيقة، إلى جانب نمط حياة صحي"
إدماني الجديد
نصائح أساسية:- اختيار مصادر غذائية موثوقة ونظيفة- الالتزام بقواعد السلامة الغذائية خلال التحضير والتخزين- تجنّب الإفراط في الملح والدهون المشبعة- عدم اعتباره بديلاً من التنوع الغذائي أو مصادر البروتين الكاملة