خالد علي يكتب لـ””: عمال آمون للأدوية وعيد العمال
يأتى عيد العمال هذا العام، كما جاء فى أعوام كثيرة سابقة، حاملاً معه أسئلة قديمة متجددة حول أوضاع العمال فى مصر، وحول نصيبهم العادل من ثمار ما ينتجونه بجهدهم وعرقهم.
وفى قلب هذه الأسئلة يبرز الآن إضراب عمال شركة آمون للأدوية والتى استحوذت عليها شركة أبو ظبى القابضة، باعتباره نموذجاً حياً لما يواجهه قطاع واسع من عمال مصر، ممن يحققون الأرباح لشركاتهم بينما تظل أوضاعهم المعيشية والوظيفية تراوح مكانها.
لقد نجح عمال الشركة، بعملهم الدؤوب والتزامهم اليومى، فى تحقيق مبيعات تصل إلى ٩.٨ مليار جنيه، ونمو بنسبة ١٨٪ هذا العام.
هذه النسبة ليست مجرد رقم فى دفاتر الحسابات، بل هى تعبير واضح عن كفاءة العمال وقدرتهم على الإنتاج، وعن الدور الجوهرى الذى يلعبونه فى استمرارية المؤسسة ونموها. ومع ذلك، لم تنعكس هذه الأرباح على تحسين ظروف العمل، ولا على زيادة الأجور بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذى دفع العمال إلى اتخاذ قرار الإضراب، بعد أن ضاقت بهم السبل وتجاهلت مطالبهم المشروعة.
إن الإضراب، فى جوهره، ليس عملاً عبثياً ولا نزوعاً إلى تعطيل الإنتاج، بل هو وسيلة مشروعة يلجأ إليها العمال حين تُغلق أمامهم أبواب الحوار والتفاوض.
وهو أيضاً تعبير عن الوعى الجماعى، وعن إدراك العمال لقيمة عملهم وحقهم فى نصيب عادل من العائد الذى يسهمون فى تحقيقه. ومن هنا، فإن إضراب عمال شركة آمون للأدوية لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة معزولة، بل هو حلقة فى سلسلة طويلة من نضالات العمال المصريين دفاعاً عن حقوقهم الأساسية.
وفى عيد العمال، تتجدد الذاكرة الجماعية للحركة العمالية فى مصر والعالم، تلك الذاكرة التى تشهد بأن الحقوق لم تُمنح يوماً هبة، بل انتُزعت عبر نضالات طويلة وصبر مرير.
فكل بيئة عمل آمنة وصحية، وكل منظمة نقابية مستقلة، وكل يوم عمل محدد الساعات، وكل إجازة مدفوعة، وكل ضمان اجتماعى، كان وراءه عمال وقفوا صفاً واحداً مطالبين بالعدالة والكرامة، وما يحدث اليوم فى شركة آمون ليس إلا امتداداً لهذه المسيرة التاريخية عالمياً ومحلياً.
إن الاحتفاء بعيد العمال لا يجب أن يقتصر على كلمات رسمية أو شعارات احتفالية، بل ينبغى أن يكون مناسبة حقيقية لمراجعة أوضاع العمال، والإنصات إلى مطالبهم، والعمل على تحسين شروط العمل بما يحقق التوازن بين مصالح الإدارة وحقوق العاملين.
فالاستقرار الحقيقى فى أى مؤسسة لا يتحقق إلا عندما يشعر العامل بأن جهده مُقدّر، وأن نصيبه من الأرباح عادل، وأن كرامته مصونة داخل موقع العمل.
وإذا كان عمال شركة آمون للأدوية قد اختاروا طريق الإضراب، فإنهم بذلك يوجهون رسالة أوسع إلى المجتمع كله: أن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بمعدلات الأرباح، بل بمدى انعكاس هذه الأرباح على حياة من صنعوها، وأن أى اقتصاد لا يضع العامل فى قلب معادلة التنمية، إنما يهدد نفسه بعدم الاستقرار على المدى الطويل.
فى هذا اليوم، يوم العمال، يصبح من الواجب أن نُحيّى كل عامل يقف فى مصنع أو ورشة أو موقع عمل، وأن نُحيّى شجاعة من يطالب بحقه بكل الطرق العمالية والنقابية المشروعة، وأن نتذكر أن كرامة العمل هى أساس كرامة المجتمع كله.
كما يصبح من الضرورى أن تتحول مطالب العمال -وفى القلب منهم عمال شركة آمون للأدوية- إلى فرصة للحوار الجاد، وإلى خطوة نحو ترسيخ ثقافة العدالة فى الأجور وتحسين ظروف العمل.
عيد العمال ليس مجرد مناسبة هامشية، بل هو تذكير دائم بأن العمل هو حجر الأساس فى بناء الأوطان، وأن العمال هم عماد الإنتاج وركيزة التنمية.
وفى ظل ما يواجهه العمال من تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، فإن إضراب عمال شركة آمون للأدوية يظل علامة فارقة، ودعوة صريحة إلى إنصاف من يصنعون الأرباح بجهدهم اليومى، ويستحقون حياة كريمة تليق بهم وبمجهودهم ونبل تضحياتهم.