لم تكن أضواء الشهرة والمسارح الكبرى هي نقطة الانطلاق الأولى لأبرز نجوم العالم العربي، فقبل أن يتصدروا "الترندات" في الأيام الحالية أو يحيوا أضخم الحفلات في الماضي، كان هؤلاء النجوم يقفون في الصفوف الخلفية، ممسكين بالميكروفون كجزء من فرقة "الكورال" هذه التجربة لم تكن مجرد مرحلة عابرة، بل كانت المختبر الحقيقي لأصواتهم على امتداد العالم العربي في و والخليج
لا يدرك الجمهور دائماً أن الوقوف في "الكورال" يتطلب تقنية صوتية تضاهي الغناء الفردي أو تتفوّق عليه، فالمؤدّي مطالب بضبط إيقاعه ليتماهى مع صوت النجم الأساسي من دون أن يطغى عليه، وهو ما يُعرف بـ"الذكاء النغمي"، كما هو مطالب أيضاً بـ"فن الاستماع"، وهما مهارتان تفتقدها الكثير من الأصوات الصاعدة اليوم التي تهتم بالاستعراض البصري على حساب الأداء
مدرسة الرحابنة: منصّة انطلاق عمالقةارتبطت تجربة الكورال بشدة في لبنان مع ازدهار المسرح الغنائي بفضل الأخوين رحباني، فشكلت أعمالهما معهداً عملياً من خلال فرق الكورال في مسرحياتهما الغنائية وحفلات فيروز، مرّ عدد من الأسماء التي صارت لاحقاً علامات فارقة وأبرز من بدأوا كورال مع الرحابنة، نصري شمس الدين، ملحم بركات، مروان محفوظ، جوزيف جميعهم مروا بتجربة الكورال واكتسبوا منها صرامة الأداء الجماعي وفهم بناء الهارموني، بالإضافة إلى تجربة ظهرت نتائجها لاحقاً مع أسماء كثيرة، إذ لم تمنحهم فقط صقلاً صوتياً، بل أيضاً فرصة فهم كيف تُبنى الأغنية من اللحن إلى التوزيع
وفي مفارقة لافتة، أن أيقونة الغناء العربي بدأت مشوارها عام 1950 كمغنية هناك التقت نهاد حداد بالأخوين رحباني اللذين صقلا لاحقاً، صارت فيروز نفسها النجمة التي يقف خلفها عشرات الأصوات في مسرحياتها الغنائية
وفي قصة إنسانية مؤثرة عن بداية سمير يزبك الفنية، يُقال إن السيدة فيروز زارت الصالون الذي كان يعمل فيه، فأعجبت بصوته أثناء تصفيفه شعرها، فشكّلت صلة الوصلة بين الأخير والرحابنة، ليصبح في الكورال الكورال بوابة العبور غنّى كورال خلف عبد الحليم حافظ في أواخر الستينيات، وتعلّم منه كيف يملأ المسرح ولاحقاً، أصبحت تجربة الكورال في مصر بوابة شبه إلزامية لجيل التسعينيات وبداية الألفية، قد يكون مفاجئاً معرفة أن هذه التجربة تشمل فنانين بوزن شيرين عبد الوهاب التي بدأت كورال مع حسام حسني، ففهمت آليات الحفل المباشر قبل أن تطرح أغنيتها الأولى
وفي تجربة أخرى لافتة، غنّى مصطفى قمر وإيهاب توفيق كورال كلّ منهما للآخر بالتناوب في أغانيهما الأولى، بالإضافة إلى هشام عباس وحمادة هلال في أعمال حميد الشاعري، فتشكّلت نواة "موجة الجيل" التي غيّرت وباشر بهاء سلطان مسيرته خلف مطربين مثل حسام حسني ومصطفى كامل، مؤكداً في لقاءاته أن تلك الفترة كانت مدرسته الأولى التي عرّفته إلى كذلك بدأ محمد حماقي الظهور في أغنيات الأفلام وألبومات "الكوكتيل" مؤدّياً في الكورال خلف فنانين وبدأ رامي صبري كورال خلف عامر منيب، وتعلّم أن صوت الخلفية يجب أن يكون داعماً محمد عبده "كورال" خلف طلال مدّاحأما في الخليج، فالتاريخ الموسيقي يخبرنا بقصص ملهمة، حيث تشير التقارير الفنية إلى أنه حتى "فنان العرب" كانت له بدايات مرتبطة بالعمل الجماعي والمشاركة في الكورال خلال مسيرته المبكرة مع طلال مداح، وهي التجربة التي صقلت أذنه الموسيقية ومنحته القدرة على إدارة المسرح باحترافية لاحقاً
وقال عبده إنه دخل مجال الغناء "من باب برامج الأطفال والكورال وغيرهما"، بدخوله الإذاعة حيث كانت عينه على القسم الموسيقي فيها، فالقواعد آنذاك كانت صارمة ولا تمنح "الصولو" (الغناء المنفرد) إلا لمن يثبت كفاءته وشارك في كورال إذاعة جدة بتسجيل التلبية التي يُعاد بثها في مواسم الحج منذ أكثر من 50 عاماً، ثم انتقل إلى كورال الأطفال، فغنّى خلف ضياء عزيز ضياء، قبل أن يغني خلف طلال مداح
وفي واقعة مثيرة عام 1980، خلال تصوير سهرة تلفزيونية مشتركة في استديوات تلفزيون عجمان في الإمارات، كان مداح يستعد لغناء أغنيته الشهيرة "تصدق ولا أحلف لك"، فشعر عبده برغبة صادقة في التعبير عن تقديره الكبير تجاه الفنان الراحل، فاقترح فكرة عفويّة ومفاجئة: أن ينضمّ إلى فرقة الكورال ويغني خلف مداح
اقرأ أيضاً في آفاق عربية
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
💬 كن أول من يعلق! وقول رأيك
شاركنا رأيك حول هذا المقال، وناقش مع الآخرين في التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.
كن أول من يشارك برأيه!