حين تُصبح الكلمات خطراً استراتيجياً
ثمة فجوة واسعة بين ما تراه الإدارات المديرون يرون في الذكاء الاصطناعي رافعة للإنتاجية وأداة لخفض التكاليف وتحرير الكفاءات الموظفون، في المقابل، يرون فيه شبحاً يحوم فوق مكاتبهم، يهدد أمنهم المهني الذي بنوه عبر سنوات
هذا الاختلاف في زاوية النظر ليس مجرد توتر إنساني طبيعي تُشير أبحاث متعددة إلى أن الشعور بانعدام الأمان الوظيفي يُفضي إلى تراجع ملموس في الصحة النفسية للموظفين، وانخفاض مستويات الرضا والأداء، وارتفاع بعبارة أخرى: القلق يُكلّف المؤسسات كثيراً، وليس الموظفين وحدهم
الثقة أولاً، التكنولوجيا ثانياً
ما تكشفه الدراسات الأحدث في هذا المجال يبدو بسيطاً وعميقاً في الوقت ذاته: كلما نظر الموظفون إلى مديريهم باعتبارهم صادقين وعادلين وموثوقين، تراجعت الآثار السلبية المرتبطة الثقة، إذن، ليست ترفاً إدارياً، بل هي البنية التحتية التي يُبنى عليها أي تحول ناجح
غير أن بناء هذه الثقة يتطلب الابتعاد فالقول بأن "سيخلق وظائف أكثر مما سيُزيل" قد يبدو مطمئناً في مؤتمر صحافي، لكنه يفقد مصداقيته سريعاً حين يرى الموظف أن زميله لم يُعَد توظيفه في دور جديد، بل غادر الشركة نهائياً
لا توجد وظيفة "منخفضة القيمة"
المشكلة الجوهرية في خطاب من قبيل "رأس المال البشري منخفض القيمة" أنه يخلط بين نعم، بعض الوظائف أكثر عرضة للتأثر بالأتمتة من غيرها، لا سيما تلك القائمة على مهام لكن قابلية الاستبدال التقني لا تُعادل انعدام القيمة البشرية، ولا تعكس بالضرورة مستوى الجهد أو الالتزام الذي بذله أصحاب هذه الوظائف على مدار سنوات
والجدير بالذكر أن موجة الأتمتة لا تقتصر على الوظائف فالبرمجة والتحليل القانوني والتشخيص الطبي وإنتاج المحتوى، كلها مجالات باتت تواجه ضغطاً متصاعداً من أدوات تُجيد لا خندق آمناً بالكامل، والادعاء بغير ذلك هو بالضبط نوع الخطاب الذي يُفقد الإدارة مصداقيتها
إعادة التأهيل: وعد أم شعار
يتوافق الخبراء على أن الاستثمار في إعادة تأهيل الموظفين وتطوير مهاراتهم هو الاستجابة الهدف ليس فقط إنقاذهم من الأتمتة، بل تمكينهم من العمل إلى جانب أدوات الذكاء الاصطناعي والاستفادة منها بدلاً من الشعور بأنهم في سباق خاسر معها
لكن هذا الوعد يظل في كثير برامج "إعادة التأهيل" التي تُطلقها الشركات غالباً ما تكون متأخرة، ومُصمَّمة بشكل مُتسرّع، وغير متوائمة والموظف الذي قضى عشرين عاماً في وظيفة محاسبية لا يحتاج إلى دورة تدريبية مدتها أسبوعان لـ"تعلّم البرومبت"، بل يحتاج إلى مسار مهني مُعاد تصميمه بجدية
في نهاية المطاف، يبقى الرهان الأكبر على قدرة الشركات على إدارة هذا التحول بمستوى من الذكاء الاصطناعي ليس عدو الموظفين — لكن الإدارة التي تتعامل معه بوصفه مجرد أداة لخفض التكاليف، وتُقدّم التحولات الجذرية بلغة تقنية والفارق بين النتيجتين ليس في التكنولوجيا، بل في الحكمة
اقرأ أيضاً في آفاق عربية
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
💬 كن أول من يعلق! وقول رأيك
شاركنا رأيك حول هذا المقال، وناقش مع الآخرين في التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.
كن أول من يشارك برأيه!