يُحذّر خبراء التربية و من خطر نشوء فجوة اجتماعية جديدة إن لم يحصل جميع الأطفال، منذ المراحل التعليمية المبكرة، على مهارات هذا التحذير، وإن بدا موجهاً في ظاهره إلى الدول المتقدمة، يلامس الواقع اللبناني مباشرة، وربما بحدّة أكبر
في عالم بات فيه جزءاً من القرارات اليومية، من التعليم إلى الصحة والاقتصاد، لم يعد السؤال المطروح هو: هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي في حياة أبنائنا؟ بل: من سيفهمه ويتحكم به، ومن سيبقى مجرد متلقٍّ لقرارات تصنعها أنظمة لا يعرف كيف تعمل
الذكاء الاصطناعي ليس ترفاً تربوياً
تعليم مهارات الحوسبة يجب أن يُعامل كما تُعامل القراءة والكتابة: فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، الطفل الذي يدرك كيف تُطرح الأسئلة على الخوارزميات، وكيف تتعلّم، وكيف تخطئ، سيكون مواطناً قادراً على النقد والمساءلة، لا مجرد مستهلك سلبي للتكنولوجيا
في فبعض المدارس الخاصة الكبرى بدأت فعلياً بإدخال مفاهيم البرمجة، والتفكير الحاسوبي، وحتى أدوات في المقابل، تعاني المدارس الرسمية وعدد كبير من المدارس الخاصة الصغيرة من نقص حاد في البنية التحتية الرقمية، وضعف تدريب المعلمين، وأحياناً من غياب الكهرباء والإنترنت المستقر
فجوة رقمية أم فجوة عدالة؟المسألة هنا ليست تقنية فعندما يحصل طفل في مدرسة ميسورة على فرصة فهم الذكاء الاصطناعي والتفاعل معه، بينما يُحرم طفل آخر من هذه المعرفة، فإننا لا نخلق فجوة تعليمية فقط، بل نرسّخ انقساماً اجتماعياً طويل الأمد
في بلد مثل لبنان، حيث الفرص أصلاً غير متكافئة، يصبح التعليم الرقمي غير فالطالب الذي لا يفهم كيف تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي سيكون أقل قدرة على المنافسة الجامعية، وأضعف حظاً في دخول سوق العمل المستقبلي، وأكثر عرضة للتهميش
الخطر في الخطاب السائد
من الأخطاء الشائعة، عالمياً ومحلياً، الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيقوم بكل شيء، وبالتالي لا هذا الخطاب، إن انتشر، يضعف دور المدرسة بدل أن يعزّزه
فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى التفكير، بل يجعل والطالب الذي يستخدم أداة ذكيّة دون فهمها يشبه من يقود الخطر ليس في الأداة، بل في الجهل بآليات عملها وحدودها
ماذا يعني ذلك للمدرسة اللبنانية
المدرسة اللبنانية اليوم أمام خيارين: إما الاكتفاء باستخدام أدوات رقمية شكلياً، أو الانتقال إلى تعليم واعٍ للذكاء الاصطناعي، يدمج المهارات التقنية بالقيم الإنسانية، مثل المسؤولية، والأخلاقيات، والعدالة
وهذا لا يعني تحويل جميع الطلاب إلى مبرمجين، بل تمكينهم من:•فهم المبادئ الأساسية لعمل الذكاء الاصطناعي•طرح الأسئلة الصحيحة•التمييز بين الاستخدام المسؤول والاستخدام الضار•إدراك أثر التكنولوجيا في المجتمع وصناعة القرار
من المسؤول
المسؤولية فوزارة التربية مطالبة بوضع رؤية وإدارات المدارس مطالبة بالاستثمار في تدريب المعلمين، كما أن الجامعات ومراكز التدريب مدعوة إلى دعم المدارس عملياً، لا الاكتفاء بالمؤتمرات والخطابات
أما فالذكاء الاصطناعي لا يحلّ محل المعلّم، بل يكشف الحاجة إلى معلّم أكثر وعياً، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على توجيه التفكير بدل تلقين المعلومة
إذا أردنا أن يكون التعليم في لبنان أداة للإنصاف الاجتماعي، لا وسيلة لإعادة إنتاج التفاوت، فعلينا أن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كقضية فتعليم الحوسبة اليوم هو دفاع عن حق الطالب في الفهم، قد يصنع الذكاء الاصطناعي جيلاً جديداً، لكن التعليم وحده يقرر أيّ جيل سيكون
* باحثة ومتخصّصة في القيادة التربوية والذكاء الاصطناعي في التعليم