مجدي حمدان يكتب لـ””: أمي. حكاية البساطة التي صنعت كل هذا العطاء
لم تكن أمي يومًا امرأة عادية (كانت ست البنات)، رغم بساطتها الشديدة، كانت تلك السيدة التي تزوجت في عمر صغير، ووجدت نفسها سريعًا مسؤولة عن بيت، وعن أبناء، وعن حياة كاملة تُبنى من الصفر.
لم تحمل يومًا شهادات، ولم تعرف القراءة أو الكتابة، لكنها كانت تملك ما هو أعظم: وعي فطري بقيمة العلم، وإيمان لا يتزعزع بأن مستقبل أبنائها يجب أن يكون أفضل منها.
أصرت أن نتعلم، أن نحمل ما لم تستطع هي أن تحمله، وأن نمتلك مفاتيح الحياة التي حُرمت منها، كانت تدفعنا نحو التعليم وكأنه رسالتها الخاصة، وكأن نجاحنا هو تعويضها العادل عن كل ما فاتها.
وفي غياب والدي، الذي كان يكافح ويعمل في إحدى دول الخليج، لم تكن أمي مجرد أم… بل كانت الأم والأب معًا. تحملت المسؤولية كاملة، بحزم حينًا، وبحنان لا ينضب في كل الأحيان. أدارت البيت، وربّت، ووجهت، واحتوت، دون أن تشتكي أو تتراجع.
لم يكن دورها داخل جدران منزلها فقط، بل امتد ليشمل العائلة الكبيرة بأكملها. كانت حاضرة دائمًا، لا يفوتها واجب، لا في فرح ولا في عزاء، تقف في الصفوف الأولى، تمد يدها بالمواساة، وتشارك بصدق في كل مناسبة.
كانت قريبة من الجميع، خاصة سيدات العائلة، تحمل همومهم كأنها همومها، وتمنحهم من وقتها وقلبها دون حساب.
كان بيتها مفتوحًا للجميع، الكبير قبل الصغير. لم تكن تمل من استقبال أحد، ولا من الترحيب بأي زائر. كانت ترى في الناس بركة، وفي العطاء قيمة، وفي الكرم أسلوب حياة.
أمي لم تكن فقط عماد بيتنا، بل كانت حجر الأساس في استقرار عائلتنا الكبيرة. عاشت تحمل الهم بصمت، وتزرع الطمأنينة في قلوب من حولها، وتبني، دون ضجيج، عالمًا من المحبة والتماسك.
رحم الله أمي… تلك السيدة العظيمة التي علمتنا، دون أن تقرأ، وربّتنا، دون أن تكتب، ووهبتنا من عمرها ما لا يمكن أن يُرد أو يُنسى.
ورحم الله كل الأمهات… فهن الحكاية التي لا تنتهي من العطاء