أكد الدكتور مجدي عبد الغفار، أستاذ أصول الدين بجامعة جامعة الأزهر، أن القرآن الكريم يقدم منهجًا تربويًا متكاملًا يقوم على التوازن بين الترغيب في الثواب والترهيب من العقاب، موضحًا أن هذا الأسلوب يعد من أهم الأسس التي تقوم عليها التربية السليمة في الإسلام.
وأوضح عبد الغفار، خلال برنامج «نورانيات قرآنية» المذاع على قناة صدى البلد، أن الآيات القرآنية تجمع بين عرض الجزاء الحسن للمؤمنين والتحذير من مصير العصاة، وهو ما يظهر بوضوح في سياق الآيات التي تتحدث عن ثواب المتقين وعقاب الطغاة.
وأشار إلى أن قول الله تعالى: «إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ» جاء في سياق بيان نعيم الله الدائم لعباده المتقين، وهو وعد إلهي يؤكد أن ما أعده الله لهم من رزق وثواب في الآخرة لا ينقطع ولا ينفد. وبعد ذلك مباشرة تنتقل الآيات إلى التحذير من مصير أهل المعاصي في قوله تعالى: «وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ»، وهو ما يعكس التوازن الدقيق في الخطاب القرآني.
وأكد أستاذ أصول الدين أن هذا الأسلوب القرآني يمثل منهجًا تربويًا متقدمًا سبق كثيرًا من المدارس التربوية الحديثة، رغم أن هذه التوجيهات نزلت منذ أكثر من 1400 عام، لافتًا إلى أن الإفراط في الترغيب وحده قد يؤدي إلى التدليل المفرط وفساد السلوك، بينما الإفراط في الترهيب قد يسبب اليأس والإحباط لدى الإنسان.
ودعا عبد الغفار أولياء الأمور والمربين إلى الاستفادة من هذا المنهج القرآني في تربية الأبناء، من خلال الجمع بين التشجيع والتحفيز على السلوك الصحيح، إلى جانب التحذير من العواقب السلبية للأخطاء، بما يحقق التوازن النفسي والسلوكي لدى الأبناء.
كما أشار إلى أن سورة ص تتضمن تذكيرًا مهمًا بقصة آدم عليه السلام، وموقف إبليس عندما رفض السجود له، حيث أقسم بإغواء البشر جميعًا إلا عباد الله المخلصين، وهو ما يمثل تحذيرًا واضحًا من عداوة الشيطان للإنسان وضرورة التمسك بطاعة الله.
وأضاف أن بداية سورة الزمر تؤكد أن القرآن نزل بالحق، وتدعو إلى إخلاص العبادة لله وحده، مستشهدًا بقوله تعالى: «إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ»، وهو توجيه إلهي يرسخ مبدأ التوحيد والإخلاص في العبادة.
واختتم عبد الغفار حديثه بالتأكيد على أن تدبر هذه الآيات يمنح المسلم فهمًا أعمق لرسالة القرآن في بناء الإنسان المتوازن نفسيًا وسلوكيًا، القادر على الجمع بين الخوف من الله والرجاء في رحمته، وهو ما يشكل أساس التربية الإيمانية الصحيحة في الإسلام.