في ظلّ الحرب الدائرة في لبنان وما تفرضه من ظروف أمنية قاسية وانقطاع متكرر عن التعليم الحضوري، وجد الطلاب أنفسهم خارج الصفوف المدرسية، وينتقلون ويُقصد بـ"الكاميرا المغلقة" في هذا السياق عدم تفعيل الطالب للكاميرا أثناء الحصة الافتراضية، بحيث يظهر حضوره عبر الاسم ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها مسألة تقنية فحسب، بل ينبغي مقاربتها على ضوء السياق النزاعيّ، الذي يؤثر بعمق على الحالة النفسية للأطفال وعلى طبيعة تفاعلهم التعليمي
إن الاكتفاء بظهور اسم الطالب على الشاشة بوصفه دليلًا على "الحضور" يغفل حقيقة أن الطفل في سياق الحرب قد يكون حاضرًا شكليًا فالأصوات القريبة، والخوف المستمر، وحالة عدم الاستقرار، كلّها عوامل قد تجعل الطالب خلف الشاشة في حالة توتر أو تشتت، يحاول من خلالها التكيّف مع واقع ضاغط، بينما يُطلب منه في وعليه، فإن الكاميرا المغلقة لا تعني بالضرورة غياب الاهتمام، بل قد تشير في بعض الحالات إلى حاجة للشعور بالأمان أو إلى محاولة تقليل الضغط الناتج عن ظروف التعلم في بيئة غير مستقرة
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم التفاعل التربوي، بحيث لا يُختزل في الظهور البصري أو المشاركة الصوتية، بل يشمل أنماطًا متعددة من التعبير تتناسب ويمكن هنا توظيف أدوات تعليمية رقمية مثل Padlet وNearpod وMentimeter وClassPoint وCuripod، التي تتيح للطلاب التعبير بطرق غير مباشرة—ككتابة كلمة، أو اختيار إجابة، أو مشاركة فكرة بشكل مجهول—ما يخفف من كذلك، يمكن الاستفادة من Canva وMagic School في تصميم أنشطة تدعم التعبير الإبداعي والبعد الاجتماعي-العاطفي داخل الصف الافتراضي
لكن هذه الأدوات، رغم أهميتها، لا تمثّل وسائل تشخيص نفسي، بل توفر مؤشرات جزئية إلى مستوى التفاعل والانخراط، ما يستدعي من المعلّم قراءة فالكاميرا المغلقة في زمن الحرب قد تعبّر عن قلق أو تشتت أو محاولة للتكيّف مع ظروف ضاغطة، دون أن تكون مؤشرًا حاسمًا إلى حالة الطالب
بناءً على ذلك، يتجاوز دور المعلم في هذا الواقع نقل المعرفة إلى بناء مساحة آمنة يشعر فيها الطالب بأنه مرئيّ ومسموع، فالتعليم في ظل الحرب في لبنان لا يُقاس فقط بمدى استكمال المنهاج، بل بقدرة العملية التعليمية على احتواء الطالب نفسيًا والتخفيف من وطأة التجربة التي يعيشها
وعليه، فإن الكاميرا المغلقة لا ينبغي تفسيرها بوصفها علامة سلبية، بل إشارة تربوية تستدعي ففي زمن الحرب، قد لا يكون أهمّ ما يحتاجه الطفل هو من يطلب إليه أن يظهر، بل من يشعره بالأمان… حتى وهو غير مرئيّ
*باحثة و خبيرة تربوية