في مدينة اعتادت أن تكتب الحياة رغم الجراح، خفت صوت شاعرة كانت خاتون سلمى، التي عانقت اللغة بحنان نادر، رحلت فجأة تحت الركام، تاركة خلفها قصائد مبتورة خيّم الحزن على الأوساط الثقافية والأكاديمية في لبنان، مع استشهاد الشاعرة خاتون سلمى إلى جانب زوجها، إثر استهدفت منزلهما في منطقة وبعد ساعات من البحث، أكدت ناشرة "دار الجديد" رشا الأمير العثور على جثماني الراحلة وزوجها تحت الأنقاض، في ونعتها شقيقتها الإعلامية مهى سلمى بكلمات موجعة عبر "إنستغرام"، عبّرت فيها عن عمق الخسارة التي لا تُحتمل
الفاجعة لم تكن عائلية فقط، بل امتدت إلى محيطها الثقافي، فنعاها الشاعر والمسرحي يحيى جابر بلغة تشبه عالمها، مستحضراً صورة الشاعرة التي اغتيلت مع مفرداتها، في مشهد واستعاد جابر ذكرياته معها في بيروت، حين كانت اللقاءات تجمعهما على الشرفات، حيث كان الشعر يُحكى كحياة، وتُنسج الذكريات بخفة ودفء
أما الشاعرة والرسّامة سوزان عليوان، فاستحضرت بوجع الرسالة الأخيرة التي جمعتها بصديقتها الراحلة، فكتبت معلّقة على صورة خاتون: "عزائي سمعتُ رأيتُ الغيمةَ السوداءَ تصعدُ إلى السماء، حقيبةً لأرواحٍ أُحِبُّها"
وتابعت: "بالأمسِ قُتِلَتْ حبييتي وصديقتي الشاعرة خاتون سلمى في الغارة الإسرائيليّة على إنهار المبنى السكنيُّ بها وعليها بعد ساعات آخر ما تركته لي هو إيموجي مع الغيمة، مع الغروب"
أما الشاعرة والاعلامية ماجدة داغر، فكتب ناعية الراحلة: "تحت ركام منزلها في تلة الخياط، وجدوا شاعرة موت شاعرة في غارة على بيروت، يشعرك صوت تهشّم العظام صار أقوى، ورائحة الدم أعمق"
سقطت خاتون سلمى من شاهق القصيدة كانت تظن أن بيروت خيمتها، بيروت سقف قصيدتها، تختبئ هناك، "تعانق امرأة تنتظر" أفول الغبار، لكن الغبار صار خيمة بيروت الجديدة، بيروت المنتحبة المنكسرة الشهيدة"
وتابعت: حمل جثمانك برفق، قدّم للموت جسد شاعرة غفت ليلتها الأخيرة فوق ردم أحلام مدينتها، بينما خمسة وتسعون جثمانًا يرقبون في صمت المستشفى من يستدلّ إلى ملامحهم، كعادة الحرب عندما تحوّل الناس أرقاماً"
وختمت: "صديقتنا وداد يونس أبلغتني صباحاً بموتك، باليقين ذاته الذي أبلغتني به قبل عشر سنوات أننا سنتشارك أمسية شعرية في الخيام، وآه على الخيام المستباحة هناك على حدود الوطن قرب شياطين العصر وكل العصور
يُذكر أن خاتون سلمى، خريجة الأدب العربي في الجامعة الأميركية في بيروت، تركت بصمتها عبر ديوانين صدرا عن "دار الجديد": "عانقتُ امرأةً تنتظر" (عام 2009)، ورغم قلة إنتاجها، فإن نصوصها اتّسمت بخصوصية لافتة، عكست انشغالاتها الفكرية، خصوصًا في مجالات بدأت ملامح موهبتها منذ سبعينيات القرن الماضي، حين لفتت الأنظار بفوزها بجائزة شعرية خلال دراستها الثانوية، قبل أن تعود إلى الواجهة الثقافية في السنوات اللاحقة بإنتاج نوعي ومميز
في موازاة ذلك، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة اللبنانية عن ارتفاع حصيلة ضحايا الغارات الإسرائيلية الأخيرة إلى "303 قتلى و1150 جريحاً في يوم واحد"، وسط استمرار عمليات البحث والإنقاذ في المناطق المنكوبة، والعمل على تحديد هويات عدد من بذلك، ترتفع الحصيلة الإجمالية للاعتداءات منذ الثاني من آذار (مارس) الماضي إلى "1888 شهيداً و6092 جريحاً"، في مشهد إنساني مأسوي يتكرر يوماً بعد يوم