يحيى قلاش يكتب: خرف الكبار أم عدم حياء كاره المقاومة ومحب الكيان
لم يعاير أحد مهاتير محمد، صاحب مشروع النهضة في ماليزيا الذي تجاوز عمره المئة عام، لانه بلغ من العمر أرزله، ولم يقل أحد للرجل لقد أصابك الخرف لأنك وصفت إسرائيل بالدولة المارقة.
ويعيش نعوم تشومسكي، 98 سنة، الذي قال إن القضية الفلسطينية ووجود إسرائيل هو تجسيد لكل ما هو خاطئ في هذا العالم، وجوهر الإنسان هو حريته ووعيه بهذه.
ومات هنري كيسنجر عن عمر يناهز المائة سنة، وهو على رأس مؤسسته “كيسنجر أسوشيتس”، الذي كان يرى أن الصين ستستمر في الصعود كقوة عظمى، وأن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنب الكارثة. كما كان يؤمن تاريخياً بأن إنهاك القوى الإقليمية المتصارعة (مثل العراق وإيران) يخدم المصالح الأمريكية، بل وقبل رحيله بخمسة أشهر أدلَى بحديث في لقاء مع بلومبرغ استمرّ عدة ساعات تنبأ فيه بكثير مما يجري الآن.
وغادرنا محمد حسنين هيكل عن عمر يناهز 93 عاماً، وهو الذي كان يقدم لنا قبل رحيله تحليلاً لما يجري في المنطقة وخطط الكيان الصهيوني المدعوم أمريكياً، وكثير مما توقعه مازال يرسم سيناريو الأحداث الجارية، وكأنه كان يقرأ لنا من كتاب مفتوح.
ورحل نجيب محفوظ عن عمر 95 عاماً، ورغم تعرضه لحادث على يد إرهابي مما أثر على صحته في السنوات الأخيرة، إلا أن حضوره وخفة دمه وتعليقه على الأحداث وأبداء بعض الآراء في الشأن العام خلال اللقاء الشهري مع الأصدقاء والمحبين لم يتوقف.
والمفكر الراحل سمير أمين من أبرز مؤسسي نظرية التبعية ظل يجوب الأرض محاضراً حتى وفاته عن 86 عاماً.
الأمثلة كثيرة للرد على هرتلة اختلط فيها الجد بالهزل، والصالح بالطالح، والنافع بالمنافع، ولم يكن حضور عمرو موسى، صاحب التسعين عاماً والسياسي البارز والمرموق- مهما اختلفت معه- في المشهد العام وأبداء رأيه في الشأن الجاري والأمة كلها في مفترق طرق، مسبباً لنا أي خجل أو حزن مثلما جرى استقبالنا لآراء الشاب الذي تجاوز الستين ومازال يلهث ولم يتوقف عن السباحة ضد المنطق والضمير، ويستنكر على المصريين بوصلتهم وفطرتهم بادوات فجة ومعطوبة وترويج الباطل والرقص للأعداء على طريقة الإعلانات الرخيصة.!!
لقد بت أدرك بعد طول العمر والتجارب أن المصالح الشخصية عند البعض مقدمة على مصالح الأوطان، التي نخشى عليها ونصونها مهما جرى لنا من أذى فيها، لكنني لم أكن أدرك تلاشي كل مظاهر الحياء إلى هذه الدرجة، أو يكون قد أصبح الذي يطربه فقط هو كراهية المقاومة، ومديح الأعداء.