لطالما كانت مرآة صادقة لنبض الشارع، لا تفوّت مناسبة شعبية أو طقسًا اجتماعيًا إلا وتلتقطه بعدستها، لتعيد تقديمه إما برؤية عميقة أو بلمسة خفيفة تحمل روح البهجة، ويأتي في مقدمة هذه المناسبات التي احتفت بها الشاشة الفضية، بما يحمله من طقوس مصرية ضاربة في جذور التاريخ، من الفسيخ والرنجة إلى تلوين البيض والخروج إلى الحدائق والمتنزهات.
منذ البدايات الأولى، لم تغب ملامح عن السينما، ففي فيلم " العز بهدلة" عام 1937 للمخرج توجو مزراحي، ظهرت إشارات مبكرة لهذه الطقوس، عبر مشاهد تعكس الحياة اليومية للمصريين، حيث امتزجت الكوميديا بروح الاحتفال الشعبي.
ومع تطور السينما، أصبحت هذه المناسبة أكثر حضورًا ووضوحًا، ففي فيلم "هي فوضى" للمخرج يوسف شاهين، نلمح صورة نابضة للاحتفال داخل الأحياء الشعبية، حيث تتجلى تفاصيل اليوم كاملة: المراجيح، وتلوين البيض، وتناول الفسيخ والرنجة والبصل، في مشهد يعكس حيوية الشارع المصري.
شم النسيم والفن والفنانين
أما فيلم "كلمني شكرا" فقد قدم واحدة من الصور القريبة إلى الذاكرة الجمعية، من خلال مشهد الأسرة التي تفترش الأرض في الحدائق، في تجسيد بسيط وصادق لطقوس المصريين، بمشاركة عمرو عبد الجليل وغادة عبد الرازق وشويكار، حيث بدا الاحتفال عائليًا بامتياز. ويظل فيلم "عسل أسود" من أبرز الأعمال التي تعمقت في تقديم هذه الطقوس بشكل لافت، إذ قدم أحمد حلمي مشهدًا لا يُنسى داخل الحديقة، أثناء تناول الفسيخ والرنجة مع الأصدقاء، لتبقى جملته الشهيرة : " أحلى حاجة فيه ريحته " واحدة من العلامات الكوميدية المرتبطة بشم النسيم في السينما الحديثة.
وعندما يُذكر شم النسيم، لا يمكن إغفال فيلم "أميرة حبي أنا"، حيث قدمت سعاد حسني أغنيتها الشهيرة "الدنيا ربيع"، التي تحولت إلى النشيد غير الرسمي لهذا العيد، ولا تزال حاضرة في وجدان المصريين حتى اليوم.
ولم تكن هذه الطقوس حاضرة فقط أمام الكاميرا، بل امتدت إلى كواليس التصوير، حيث اعتاد نجوم الزمن الجميل مثل فريد شوقي ومحمود المليجي وليلى مراد ومديحة يسري الاحتفال بهذه المناسبة داخل مواقع التصوير، في أجواء عائلية تعكس روح الترابط بين الفنانين. وهكذا، تظل السينما المصرية شاهدة على طقوس شم النسيم، لا تكتفي بتوثيقها، بل تعيد إنتاجها بصريًا ووجدانيًا، لتمنحها حياة جديدة في ذاكرة المشاهد، جيلاً بعد جيل.
وبرغم الارتباط الوثيق بين الفسيخ والرنجة وطقوس عيد شم النسيم، فإن السينما المصرية لم تتعامل معهما بوصفهما محورًا دراميًا قائمًا بذاته، بل حضرا في الأغلب كعلامة دالة على الهوية الشعبية المصرية، أو كعنصر كوميدي يرتكز على المفارقة المرتبطة بالرائحة والطعم، أو حتى كخلفية بصرية ضمن مشاهد الحدائق والتجمعات العائلية.