عمرو إبراهيم زوق يكتب: طب الإسكندرية. والفنكوش!
الطب ليس مجرد مهنة، فهو رسالة تُحمل وميزان يُعلم ورحمة تُغرس في جوهر النفس، ففي لحظة المرض لا يتعلق المريض بأدوية بل بأمل، ولا ينتظر وصفة بل ينتظر كلمة تخفف عبء مرضه ويد تمتد اليه بالشفاء، حيث يصبح الطبيب شاهد على ألم المريض وصاحب دور فعال يتجاوز به حدود نفسه، ليتسلل لنا اسئلة لا يخلو منها الحيرة. هل يظل الميزان ثابت؟ وهل يقف المرضى جميعهم على مسافة واحدة للطبيب في الإهتمام والرعاية؟ أم أن هناك واقعًا يسيطر لا يُكتب في لوائح ولكنه يُقرأ في مواقف.
بين أعمدة المستشفيات الحكومية بقطاعاتها والمؤسسات والعيادات الخاصة تختلف البيئات والإمكانيات، فقد لاحظنا في الوقت الذي يفترض أن المريض هو محور الإهتمام بالعديد من المؤسسات بغض النظر عن حالته المادية إلا إن هناك ملاحظات تطرأ في أسلوب التعامل واختلاف الوقت الممنوح ودقة المتابعة أيضًا، فهل هذا نتيجة ذلك زيادة الأعداد أم ضعف الإمكانيات أم عوامل أخرى أثرت بطبيعتها حتى على جودة الخدمات المقدمة؟ حتى في “التشخيص الطبي” إذ يكون حجر أساس في رحلة علاج مريض، قد يفتح باب لمعاناة أطول أو يكون طريق نهاية لألم. فهل يحدث خطأ في هذا؟؟ وهل يعود الأمر لتعقيد الحالات المرضية وتشابه الأعراض بينهم؟؟ أم إن المرض يتخفى ويتلون في أكثر من صورة؟؟ أم أن هناك أمرًا مبهمًا يتعلق بالطبيب نفسه من عدم معرفته بالعلم الحديث؟؟ وحتى مع وجود “لجان طبية” يفترض أن تجمع الرأي الصحيح لا تكرر خطأ ليفتح لنا بابًا أخر للسؤال. هل الأزمة في الطبيب؟ أم تعقيد الحالة؟ آليات العمل؟ أم الموارد وضغط العمل الجماعي؟؟َ
نتحدث عن واقع حقيقي لمسناه ووجدنا بداخله خرائط لمستشفيات حكومية وجامعية مرورًا بمظلة التأمين الصحي وصولًا لمستشفيات الدرجة الثالثة تتشابه فيها المشاهد وإن اختلفت اللافتات، تكون فيها التفاصيل واحده تُعاد نفس الصورة وتتكرر العيون من زحام لا ينتهي ووجوه متعبة وأنفاس مُثقلة حتى يصبح المريض مجرد رقم في طابور، لا حالة تستحق الشفق والتمهل. يظهر في هذه الصورة أطباء منهم من يحمل رسالته بضمير يقظ وحضور مهني وإنساني، ومنهم من يبدو وكأنه يؤدي واجبًا عابرًا يقضي وقتًا مفروضًا عليه فيتحول من لحظة فحص إلى إجراء سريع تختصر فيه الأسئلة والإجابات وتغيب التفاصيل.
مشاهد العيادات وتفاصيلها تنكشف فيها الفوضى وتصبح الخصوصية فيها رفاهية غائبة حين يدخل أكثر من مريض لغرفة الكشف في وقت واحد، تتداخل فيها الشكاوي وتختلط الأصوات ويضيع التركيز، فما يحدث بمستشفى “جمال عبد الناصر” بالإسكندرية ما هو إلا فوضى حين يدخل شخصان أو أكثر أمام طبيب واحد في غرفة كشف يفترض أنها مهيأه للفحص الفردي، فيغيب هنا الإنفراد والخصوصية ويغيب التدقيق الطبي الصحيح، والأمر يمتد لمستشفى “شرق المدينة” من عدة أطباء في آن واحد في غرفة لا تتجاوز 8 متر ومرضى في وقت واحد، فهل هذا تقييم طبي؟؟ كما إن الأمر يمتد إلى “لجان طبية” يفترض بأنها أعلى درجات التقييم لنعاني من نفس الإيقاع وتتشابه المداخل وتهتز النتائج.
لا وجود للخصوصية، بل فوضى في تنظيم الدخول من أفراد لشركات “أمن” لا يمتلكون التأهيل الكافي للتعامل مع حالات إنسانية حساسة ليتحول التنظيم إلى تعامل جاف وأسلوب يقترب من الشدة والقسوة بدلًا من احتواء المريض وحفظ كرامته وخدمته، ونبرات حادة وتصرفات لا تليق ببيئة يفترض أنها ملاذ الرحمة لتندفع مسارات لا يُراعىٰ فيها الظرف لتتحول الطرقات إلى حواري، بالإضافة للتعامل الإداري فهو صورة أخرى بين مكاتب الإستقبال والتسجيل نجد انماط مختلفة منها ما يفتقر لمعايير التواصل الإنساني، فيتحول المريض من صاحب حق إلى عبء وسط غياب للتوازن الأخلافي، حتى القطاع الجامعي بالمدينة وخاصة طب الأسنان وتقويمه حيث أصغر التفاصيل وأثرها الكبير فيتحول الخطأ إلى سلسلة من “لجان” وإجراءات متتابعة لا تنتهي إلا بمعاناة مضاعفة وأطباء ليسوا دون المسئولية بل كان الفشل حليفهم والإهمال هو عنوانهم، ووقت يهدر دون عائد، حتى جعلوا المرضى فئران تجارب لهم، لكي يستوفي طلبة الجامعة مهامهم، فإن ما يحدث داخل تلك القطاعات هو الإذلال حتى في انتظار المرضى الطويل من الثامنة صباحًا وحتى يتعطف “الطبيب” صاحب الهمة للكشف على مرضاه ليأتي كما يريد أن يأتي وحتى ينتهي من ملهاه.
يستمر حديثنا ولا ينقطع في جوهر قضية التشخيص، فحين تبنىٰ رحلة علاج على أساس غير دقيق يصبح الطريق أطول والنتيجة أبعد والمعاناة أشد من خطأ جاء بتقصير متعمد نتيجة تراكمات وفشل منظومة وخلل المسئولية المهنية، فإنه حين يتكرر فمن حقنا أن نسأل. من المسئول؟؟ وكم من حالة تأخرت نتيجة فشل “العرض” وفشل “المعروض” عليه؟؟ وكم من علاج وصف دون أن يلامس المشكلة؟؟ وكم من مريض تنقل بين الأبواب ليبحث عن إجابة واحدة لا تتبدل دون ارتباك؟؟
حلقة مفرغة يدور بداخلها الإغفال، تمتد للعيادات الخاصة التي يفترض إنها مساحات أهدأ وتركيز أدق، إلا إن المشاهد تُعاد لتكرر الأخطاء من إهمال يلي إهمال وتشخيص مرتبك وعقل يبحث عن إجابة لا تتغير، فلا يبدو الخلل شئ عابرًا فهو أداء يفتقر إلى المهارة لمنظومة اختارت من يتصدرون واجهتها، فأصبح من لا يستحقون موضع الثقة أقرب لهم للمريض من أهل الخبرة، فهل هذا يحدث مع المريض الإستثماري صاحب الدرجة الأولى والعناية الـ7 نجوم أم أن هناك أمرًا أخر وإهتمامًا بالغًا لمن يدفع الثمن؟؟
فوضى تفتح أبوابًا خفية داخل المنظومة الطبية لا أعفي أحد من مسئوليتها خاصة الأطباء أنفسهم، والأخطر من ذلك والذي لا يقف عند حدود التشخيص ويمتد لأبسط العوامل هي معايير السلامة وعلى رأسها التعقيم الذي لا يحتمل التهاون ولا يقبل التجربة، فما نرويه ليس من الخيال بل واقع داخل بعض الأقسام بمستشفى “ناريمان” الجامعي يكشف حجم الخطر حين تُترك التفاصيل الصغيرة دون عناية فتتحول غرفة العمليات التي يفترض أن تكون أعلى درجات الأمان إلى مصدر تهديد لحالات دخلت طلبًا للعلاج، فخرجت بمضاعفات أشد، ومرضى اضطروا لإعادة جراحات بعد أن تسللت ميكروبات خطيرة إلى مواضع العمليات حتى وصلت إلى العظم بعد تركيب شرائح ومسامير لتُفرض عليهم جراحات تنظيف عميق ومعاناة جديدة من تركيبات لم تكن في الحسبان، فهذا مؤشر إلى خلل لا يجوز التهوين فيه، وإن الإستمرار في هذا النهج هو الخطر الصريح، فإن أي منظومة لا تضع معايير السلامة والتقييم في قاعدتها هي بالتأكيد تهدر حق الناس وتفقد معنى الرسالة.
هذه ملامح لأزمات تتجسد داخل قرارات طبية ولجان يتحول بعضها إلى دوائر شكلية تنتج قرارات الـ”فنكوش” لا تعكس الفحص أو عُمق النظر، فقط تقارير تُكتب على عجل وتوصيات تُصاغ بلا يقين، ونتائج هي على الورق “فنكوش” فهي عنوان بلا أساس يقود إلى شفاء، تتكرر بين القطاعات الحكومية المختلفة، حتى مع أسماء أطباء لها وزنها ولكن كل ذلك “فنكوش” فهم أطباء تفتقر إلى المهارة والدقة العلمية فينعكس ذلك على ما يصدر من قرارات روتينية لتتحول “اللجان” لمحطات عابرة لا تصحح بل لتُكمل الخطأ والنتيجة معروفة للمريض السير في حلقة مفرغة داخل تقارير هي في الأصل “فنكوش”، فإن المنظومة تسمح بالإستمرار دون مراجعة ودون مساءلة جادة وكأن الأمر اعتيادي، فضرورة الإصلاح لا تحتمل التأجيل وإعادة التأهيل والتقييم الصارم لمن يستحق ويواكب العِلم، وإنهاء مسيرة من يثبت عجزه لحفظ حق المريض، فالأمر لا يحتمل المجاملة ولا يقبل أي تبرير.
إننا لا نسرد حكايات للمواساة، بل نطلق صفير إنذار للمراجعة والنجاة، فمن واقع ملموس نجد بإن التحذير واجبًا، والحذر من نتائج وتقارير “الفنكوش” التي تبنىٰ على أساس واهي ومنعدم، فالصحة ليست مجالًا للتجربة ولا المجازفة فهي أمانة لا يحملها إلا ذو ضمير واعي وما دون ذلك يكون “فنكوش” مهما تزين وعبر ومهما كتب حبرًا على ورق فهو زائف لا قيمة له ولا أثر.