أكد الدكتور محمد رجب عضو الجمعية المصرية السياسي والإحصاء والتشريع على أنه في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي، يظل في الاقتصادات الناشئة، ومنها مصر، أحد أكثر الملفات حساسية وتأثرًا بالتطورات الخارجية، فخلال عامي 2024 و2025، أبقت البنوك المركزية الكبرى أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبيًا؛ إذ تراوحت الفائدة الأمريكية في نطاق يقارب 5.25% – 5.50%، وهو ما عزز جاذبية الدولار عالميًا ورفع تكلفة التمويل على الأسواق الناشئة.
نرشح لك:
اقتصادي للحرية السيناريوهات المتوقعة لسوق الصرف
وأضاف: في الوقت نفسه، ظل التضخم العالمي أعلى من المستهدفات، حيث دارت تقديرات المؤسسات الدولية حول متوسط يقارب 5% عالميًا، ما أبقى الضغوط قائمة على العملات المحلية”.
واستكمل: “بالنسبة لمصر، يكتسب سوق الصرف أهمية مضاعفة نظرًا لاعتماده على مصادر متعددة للنقد الأجنبي، تشمل تحويلات العاملين بالخارج التي تتجاوز 20 مليار دولار سنويًا، وإيرادات قناة السويس التي تدور في حدود 8–10 مليارات دولار، إلى جانب السياحة التي سجلت نحو 13–14 مليار دولار في أفضل حالاتها الأخيرة”.
نرشح لك.
ويبلغ احتياطي النقد الأجنبي نحو 35–40 مليار دولار، وهو مستوى يوفر غطاءً لعدة أشهر من الواردات، لكنه يظل عرضة للتأثر بتقلبات التدفقات الدولارية، في هذا السياق، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لسوق الصرف خلال الفترة المقبلة.
وبشأن السيناريوهات المتوقعة؛ أوضح أن السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلًا، يفترض تراجع التضخم العالمي إلى مستويات تقارب 3%، مع اتجاه البنوك المركزية الكبرى إلى خفض أسعار الفائدة تدريجيًا خلال 2026؛ وفي هذه الحالة، قد تستعيد الأسواق الناشئة جزءًا من تدفقات رؤوس الأموال، مع تحسن إيرادات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج بنسبة قد تتراوح بين 10% و15%.
لافتا إلى أن هذا السيناريو يدعم استقرار سعر الصرف، بل وقد يؤدي إلى تحسن نسبي في قيمة العملة المحلية، مع زيادة الاحتياطي النقدي.
وأكد على أن السيناريو الثاني، وهو الأقرب للواقع، فيتمثل في استمرار حالة “التذبذب المُدار”، هنا، تبقى أسعار الفائدة العالمية مرتفعة نسبيًا عند مستويات تدور حول 4% – 5%، مع تحسن محدود في التدفقات الدولارية؛ وفي هذا الإطار، قد يتحرك سعر الصرف ضمن نطاقات محدودة، مع تقلبات تتراوح في حدود ±5% إلى ±10% سنويًا، بينما يواصل البنك المركزي استخدام أدواته النقدية للحفاظ على التوازن، وتظل معدلات التضخم المحلية في نطاق يتراوح بين 15% و25%، ما يعكس استمرار الضغوط ولكن دون انفلات.
وفي المقابل، يظل السيناريو الثالث، الأكثر تحفظًا، قائمًا في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية أو استمرار التشديد النقدي العالمي لفترة أطول.
وفي هذا الوضع، قد تتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي بنسبة قد تصل إلى 20% أو أكثر، مع ضغوط على موارد النقد الأجنبي، خاصة إذا تأثرت إيرادات قناة السويس أو السياحة. كما قد ترتفع تكلفة الواردات، خصوصًا في ظل اعتماد مصر على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاتها من الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما قد يدفع التضخم لمستويات تتجاوز 25%، ويزيد الضغط على سعر الصرف.
وبين هذه السيناريوهات، تظل المؤشرات المحلية هي العامل الحاسم في تحديد المسار الفعلي. فكل تحسن في الصادرات – التي تتجاوز 40 مليار دولار سنويًا – أو في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، يسهم في تقليل الفجوة الدولارية.
كما أن نجاح الدولة في خفض فاتورة الواردات، خاصة من الطاقة والغذاء، ينعكس مباشرة على استقرار العملة. ويظل تحقيق فائض أولي في الموازنة، والسيطرة على عجز الميزان التجاري، من العوامل الداعمة لاستقرار سوق الصرف.
وفي النهاية، تشير الأرقام إلى أن سوق الصرف في مصر سيظل خلال الفترة المقبلة رهينة توازن دقيق بين الضغوط الخارجية وقدرة الاقتصاد على توليد تدفقات نقد أجنبي مستدامة. وبينما تفرض البيئة العالمية قيودًا واضحة، فإن تحسين المؤشرات الداخلية – من الاحتياطي النقدي إلى الصادرات والاستثمار – يظل العامل الأكثر تأثيرًا في تقليل حدة التقلبات، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار في سوق الصرف.
نرشح لك.