أكد الدكتور محمود الأبيدي، من علماء وزارة الأوقاف، أن الأشهر الحرم تمثل محطات إيمانية متتابعة في حياة المسلم، موضحًا أن كثيرًا من الناس تساءلوا منذ شهر رمضان عن علامات قبول الطاعة، وكان من أبرزها الانتقال من طاعة إلى طاعة، وهو ما يعكس حالة من الاستمرارية في القرب من الله سبحانه وتعالى، حيث يجعل المولى عز وجل هذه الأيام مواسم متجددة للخير، ينتقل فيها العبد من نفحة إلى نفحة، ومن بركة إلى بركة، ومن طاعة إلى أخرى، بما يعين على دوام العبادة والتلذذ بها.
وأوضح عالم الأوقاف، خلال حلقة برنامج "مع الناس"، المذاع على قناة الناس، اليوم الاثنين، أن العام كله مليء بمواسم الخير، بداية من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شهر رجب وما فيه من ذكرى الإسراء والمعراج، ثم شعبان وليلة النصف منه، ثم شهر رمضان وليلة القدر، وصولًا إلى أشهر الحج، حيث تتوالى النفحات الربانية التي تدعو الإنسان للاستمرار في الطاعة، مؤكدًا أن المطلوب هو أداء العبادة بإخلاص لا لمجرد التخلص منها، بل التلذذ بها واستشعار نداء الله لعباده بالمغفرة والرحمة.
وأشار إلى أن الأشهر الحرم تبدأ برجب، ثم تتوالى بثلاثة أشهر متتابعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، مبينًا أن دار الإفتاء المصرية أعلنت أن يوم الأحد الماضي هو أول أيام شهر ذي القعدة، لافتًا إلى قول الله تعالى في سورة التوبة: "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم"، موضحًا أن العرب في الجاهلية كانوا يعظمون هذه الأشهر ويجعلونها مواسم لوقف القتال.
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد في حديثه أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وبيّن الأشهر الحرم الثلاثة المتوالية، وخصّ شهر رجب بالتأكيد لبيان مكانته، خاصة أن قبيلة مضر كانت تعظمه، مشيرًا إلى أن هذه الأشهر كانت تمثل فترات هدنة وسلام بين الناس.
وتابع أن خطبة حجة الوداع حملت معاني عظيمة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم"، مشبهًا حرمتها بحرمة يوم عرفة في شهر ذي الحجة وفي البلد الحرام، وهو ما يرسخ قيمة الأمن والسلام في هذه الأزمنة والأماكن، مؤكدًا أن الله جعل البيت الحرام موضع أمن، فقال: "ومن دخله كان آمنًا"، وحذر من الظلم فيه بقوله: "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم".
وبيّن أن حدود الحرم لها خصوصية، فلا يجوز فيها الظلم ولا الاعتداء، بل تمتد معاني السلام لتشمل الإنسان والحيوان والنبات، فلا يُقطع الشجر ولا يُصاد الصيد، لافتًا إلى أن كلمة "آمنين" وردت في القرآن مقترنة بثلاثة مواضع عظيمة: الجنة، والبيت الحرام، ومصر، في دلالة واضحة على قيمة الأمن في هذه الأماكن، مؤكدًا أن هذه الأشهر الحرم ينبغي أن تكون فرصة للإنسان ليحرم على نفسه ما حرم الله، وأن يجتنب المعاصي، مستشهدًا بقوله تعالى: "فلا تظلموا فيهن أنفسكم"، مبينًا أن المعنى العميق هو أن يبتعد الإنسان عن الذنوب ويجعل هذه المواسم نقطة انطلاق حقيقية نحو الاستقامة والالتزام.