لطالما سادت قناعة راسخة في الأوساط الصحية والمجتمعية بضرورة شرب "8 أكواب من الماء يومياً" كشرط أساسي للحفاظ على الصحة، حتى أصبح مشهد حمل زجاجات المياه في كل مكان ومراقبة التوقيتات بدقة سلوكاً يومياً للملايين. إلا أن الدراسات العلمية الحديثة بدأت في تفكيك هذه "الأسطورة"، كاشفة عن جذورها التاريخية وحقيقة الاحتياجات البيولوجية للجسم.
تُرجع التقارير العلمية أصل هذه النصيحة إلى توصية أصدرتها إدارة الغذاء والتغذية بالمجلس الوطني للبحوث في الولايات المتحدة عام 1945. حينها، أشارت التوصية إلى حاجة البالغين لنحو 2.5 لتر من الماء يومياً، لكن "التفصيل المحوري" الذي سقط من الذاكرة الجمعية هو تأكيد الوثيقة أن معظم هذه الكمية مستمد من الأطعمة المتناولة. ومع مرور العقود، اختفى هذا التوضيح، وتجردت النصيحة لتصبح قاعدة الأكواب الثمانية الشهيرة.
المعايير العلمية الحديثة يؤكد خبراء التغذية والفسيولوجيا أن احتياجات الإنسان للماء ليست "مقاساً واحداً يناسب الجميع"، بل هي عملية ديناميكية تخضع لعدة متغيرات، أبرزها:
بنية الجسم: فالحجم والكتلة العضلية يحددان كمية السوائل المطلوبة.
الظروف البيئية: المناخ الحار والجاف يرفع وتيرة الفقد المائي.
المجهود البدني: معدلات التعرق أثناء النشاط الرياضي تتطلب تعويضاً فورياً.
النظام الغذائي: حيث توفر الفواكه، الخضراوات، الحساء، وحتى المشروبات مثل الشاي والقهوة، جزءاً كبيراً من الحصة اليومية.
"العطش".. الآلية الأدق
وبحسب الأبحاث الحديثة، فإن جسم الإنسان مجهز بنظام إنذار عالي الدقة وهو "العطش". وبالنسبة للأشخاص الأصحاء، يعد الشعور بالعطش المؤشر الأكثر موثوقية لطلب السوائل، والارتواء هو علامة التوقف الكافية. ويستثنى من ذلك كبار السن، نظراً لتراجع كفاءة آلية الإحساس بالعطش لديهم مع تقدم العمر، مما يتطلب تنبيهاً خارجياً للشرب.
كيف تراقب مستوى ترطيب جسمك؟ بعيداً عن حساب الأكواب، وضع الخبراء مؤشرات عملية لمراقبة كفاية السوائل:
لون البول: يعد اللون الأصفر الفاتح علامة مثالية على الترطيب، بينما يشير اللون الداكن إلى ضرورة الشرب.
وتيرة التبول: المعدل الطبيعي يتراوح بين 4 إلى 7 مرات يومياً.
الأعراض الجسدية: جفاف الفم، الصداع، أو الشعور غير المبرر بالتعب قد تكون إشارات أولية للجفاف.
وفي تصحيح لمفهوم شائع آخر، أكد العلماء أن القهوة والشاي لا يسببان الجفاف كما يُشاع، بل يدخلان ضمن حساب إجمالي السوائل اليومية عند استهلاكهما بمعدلات معتدلة.