في مفارقة لافتة تعكس تحولات عصر، لم تعد الأخطاء الإملائية في الرسائل الإلكترونية تُقرأ بالضرورة كعلامة على ضعف أو قلة احتراف، بل بدأت تُكتسب دلالة مختلفة بوصفها مؤشرًا هذا التحول هو ما تقف خلفه أداة جديدة تُدعى Sinceerly، تسعى إلى إعادة "اللمسة البشرية" إلى الكتابة الرقمية، عبر إدخال أخطاء متعمدة في النصوص
الأداة، التي تعمل كإضافة لمتصفح الإنترنت Chrome، تعيد صياغة الرسائل الإلكترونية بأسلوب أقل مثالية، سواء كانت مكتوبة أصلًا بواسطة الإنسان أو مولّدة وتوفر ثلاثة أنماط مختلفة: Subtle لتعديلات طفيفة، وHuman لأسلوب أكثر عفوية، و CEO الذي يعتمد على الإيجاز الشديد ويُدخل أخطاء واضحة، محاكيًا نمط الرسائل السريعة والمختصرة المنسوبة إلى بعض المديرين التنفيذيين
مبتكر الأداة، بن هورويتز، وهو شريك استثماري في صندوق Dorm Room Fund وطالب في كلية هارفارد للأعمال، قدّم المشروع في سياق ساخر، لكنه يعكس في الوقت نفسه ملاحظة واقعية: تزايد الرسائل التي تبدو "مصقولة أكثر من اللازم"، ما يثير الشك في أنها ومن هنا جاءت الفكرة: استخدام الذكاء الاصطناعي ذاته وخلال تجربة غير رسمية، أرسل هورويتز رسائل مُعدّلة عبر الأداة إلى عدد من الرؤساء التنفيذيين في شركات كبرى، فتلقى ردودًا مختصرة، احتوى بعضها على أخطاء فعلية، وهو ما اعتبره مؤشراً على أن النمط الذي تحاكيه الأداة يعكس واقع التواصل في بعض البيئات المهنية
اللافت أن Sinceerly، رغم طابعها التجريبي والساخر، تندرج ضمن نقاش فمع انتشار أدوات توليد النصوص، لم يعد "الكمال اللغوي" ميزة بحد ذاته، في المقابل، أصبحت الأخطاء البسيطة تُفسَّر أحيانًا كدليل على الجهد البشري
والمفارقة أن تطوير الأداة نفسها اعتمد على نماذج ذكاء اصطناعي مثل "شات جي بي تي" و"جيمناي" و"كلود"، وغيرها من الأدوات المستخدمة في هذا الإطار، ما يعكس طبيعة العلاقة المتشابكة بين الإنسان وهذه التقنيات: استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج النص، ثم استخدام أدوات أخرى قائمة على الذكاء وبين هذا وذاك، يظل السؤال مفتوحًا حول الحدود الفاصلة بين ما هو "بشري" و"مصطنع" في الكتابة الرقمية