خدمات آفاق عربية

الإشعارات الفورية أشترك الأن !

فعل الإشعارات ليصلك أشعار رائع بأهم الترندات والأحداث الهامه في لحظتها !

خدمات آفاق عربية

🔥 وليد الغمري يكتب لـ””: عن سرادق عزاء في اليوم العالمي لحرية الصحافة

وليد الغمري يكتب لـ””: عن سرادق عزاء في اليوم العالمي لحرية الصحافة
وليد الغمري يكتب لـ””: عن سرادق عزاء في اليوم العالمي لحرية الصحافة...
شارك هذا المقال مع أصدقائك

🔸 وليد الغمري يكتب لـ””: عن سرادق عزاء في اليوم العالمي لحرية الصحافة

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، دعونا نشيد بالكلمات سرادق عزاء كبير، ننعي فيه صاحبة الجلالة المصرية، دعونا نشيد هذا السرادق بعيداً عن مسجد المشير طنطاوي. لنجعله على ناصية شارع عبد الخالق ثروت في وسط قاهرة المعز.

ففي داخل الشارع يوجد جسد منهك يحمل لافتة مكتوب عليها “نقابة الصحفيين المصريين” واسمحوا لي بوضع لافتة أخرى على أبواب السرادق، عذراً لا نستقبل العزاء من السادة المسؤولين في الدولة المصرية، لأنهم المتهم الأول في قتل صاحبة الجلالة، فلن يقبل منهم عزاء حتى يقوم قاضي التاريخ بتبرئتهم من تهمة إعدام صحافة مصر.

أبدأ هذا الاستهلال بقلب صحفي يعتصره الشجن على تاريخ عظيم كنا فيه سادة الكلمة في الشرق الأوسط، وكنا أصحاب المنابر التي ألهمت كل بقاع العرب أن يصنعوا صحافة. كثير منها سبقنا إلى ما كان يجب أن يكون لنا.

أكتب هذه الكلمات في عالم تتسارع فيه الأحداث وتُصنع فيه الحروب بالكلمات قبل السلاح، حيث لم تعد حرية الصحافة ترفًا ديمقراطيًا، بل أصبحت ضرورة وجودية لأي دولة تسعى للبقاء داخل معادلة التأثير. وفي مصر، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا؛ حيث تتداخل الحقيقة مع القيود، ويتقاطع الخطاب الرسمي مع واقع مهني يئن تحت ضغوط متعددة.

وفقًا لأحدث تقارير لعام 2026، تحتل مصر المرتبة 169 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي، ضمن فئة “الوضع الخطير للغاية”. هذا الترتيب لا يضعها فقط في ذيل القائمة، بل يضعها أيضًا ضمن الدول الأكثر تقييدًا للعمل الصحفي على مستوى العالم، في وقت تشير فيه نفس التقارير إلى أن أكثر من نصف دول العالم باتت تعاني أوضاعًا صعبة أو خطيرة فيما يتعلق بحرية الإعلام.

لدرجة أن الدولة متمثلة في أعلى هرم السلطة فيها. وبالتحديد في شخص الرئيس يفاجئ الجميع منذ بضعة شهور ليست بالبعيدة، ويطالب بوضع خارطة طريق لمستقبل الإعلام المصري. وانتهت دعوة الرئيس إلى قرارات وزارية أنتجت لجان انتهت لتقارير ثم بعدها يسود الصمت. وهو ما دفعني أنا وغيري للبحث خلف هذا الصمت. ليس انتصاراً لمهنتنا التي نؤمن بها بقدر ما هو انتصار لمشروع كبير اسمه “الجمهورية الجديدة” ولا جمهورية ولا وطن ولا دولة حقيقية يمكنها أن تكون موجودة وهي مقطوعة أحبالها الصوتية. ولا يصدر منها غير الأنين وأصوات أعدائها تحيط بها من كل الزوايا والأرجاء.

وتبقى الأرقام، رغم قسوتها، لا تروي القصة كاملة. فالمؤشر العالمي يعتمد على عدة معايير، تشمل البيئة السياسية، والإطار القانوني، والوضع الأمني، والاستقلال الاقتصادي، والسياق الاجتماعي. وفي الحالة المصرية، تتشابك هذه العوامل لتصنع نموذجًا إعلاميًا خاصًا، يمكن وصفه بأنه “نظام إعلامي مُحكَم السيطرة”.

على مستوى الملكية، تشير أغلب التحليلات إلى هيمنة واضحة لكيانات مرتبطة بالدولة على المؤسسات الإعلامية الكبرى، ما يحد من التعددية ويجعل المشهد أقرب إلى الصوت الواحد. ومع تراجع المساحات المستقلة، أصبحت فرص التنوع الإعلامي محدودة، أو تكاد تكون منعدمة، الأمر الذي انعكس مباشرة على ثقة الجمهور في وسائل الإعلام التقليدية.

أما على المستوى القانوني، فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في استخدام تشريعات مثل قوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية، وهي قوانين، رغم أهميتها في سياق حماية الأمن القومي، تُستخدم في أحيان كثيرة لتقييد العمل الصحفي، خصوصًا في ما يتعلق بنشر المعلومات أو تناول بعض الملفات الحساسة. وقد أدى ذلك إلى خلق حالة من “الرقابة الذاتية” داخل غرف التحرير، حيث يفضل كثير من الصحفيين تجنب مناطق الاشتباك بدلًا من المخاطرة المهنية أو القانونية. ولا يمكنني العتاب على زملائي في هذا، ففي النهاية نحن بشر ولدينا أسر وحياة لا يمكن السماح بأن تكون مهددة.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن البيئة الأمنية، حيث لا تزال مصر تُصنّف ضمن الدول التي تشهد ملاحقات أو احتجازًا لصحفيين، وفق تقارير دولية، وهو ما يضيف طبقة أخرى من الضغط على المهنة، ويؤثر بشكل مباشر على حرية الحركة والتغطية.

لكن الأزمة لا تقف عند حدود السياسة والقانون فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد الإعلامي نفسه. فمع تراجع سوق الإعلانات، وهيمنة كيانات كبرى على الموارد المالية، أصبحت المؤسسات الصحفية تعاني من ضعف الاستقلال الاقتصادي، ما ينعكس بدوره على استقلال القرار التحريري. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال فقط: “ماذا يُنشر؟”، بل أصبح أيضًا: “من يملك حق النشر؟ ومن يمول هذا الحق؟”.

ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يمكن إنكار وجود محاولات – ولو محدودة- لخلق مساحات بديلة، خاصة عبر المنصات الرقمية، التي باتت تمثل متنفسًا نسبيًا لبعض الأصوات. كما أن هناك جهودًا رسمية لتطوير البنية الإعلامية من الناحية التقنية والتنظيمية، غير أن هذه الجهود لا تزال – في نظر كثيرين – غير كافية لإحداث تحول حقيقي في بنية النظام الإعلامي المصري.

المفارقة الأبرز في المشهد المصري تكمن في إدراك الدولة العميق لأهمية الإعلام كأداة تأثير استراتيجي، في مقابل استمرار القيود المفروضة على استقلاليته. وهي معادلة تطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن لإعلام مُقيّد أن يكون مؤثرًا؟ وهل يمكن لصوت واحد أن يُقنع جمهورًا متعدد الرؤى؟

التجارب العالمية تشير بوضوح إلى أن قوة الإعلام لا تُقاس بمدى انضباطه، بل بقدرته على النقد، وكشف الحقائق، وخلق نقاش عام حقيقي. فالإعلام الذي يفقد حريته، يفقد تدريجيًا مصداقيته، ومعها يفقد تأثيره.

في هذا السياق، تقف الصحافة المصرية أمام ثلاثة مسارات محتملة: إما استمرار الوضع الحالي بكل ما يحمله من تراجع في المؤشرات وفقدان للثقة وبالتالي الموت الإكلينيكي، أو الدخول في مسار إصلاح تدريجي يوازن بين متطلبات الأمن وضرورات، أو الذهاب إلى إعادة بناء شاملة تعيد تعريف دور الإعلام كسلطة رقابية حقيقية، لا مجرد أداة نقل.

وأعتقد أن الجهات المنوط بها إحداث هذا التطور في مصر، لا تزال في حالة خلافات وصراعات فيما بينها، للإجابة على السؤال غير المعلن: كيف نطبق توجيهات ومبادرة الرئيس للإعلام مع الحفاظ على مساحات آمنة ضد قوة الصحافة المصرية لو عادت لمجدها وحريتها السابقة؟!

في النهاية، تبقى حرية الصحافة في مصر ليست فقط قضية مهنية أو حقوقية، بل مسألة تتعلق ببنية الدولة نفسها وقدرتها على إدارة المعرفة والتفاعل مع مجتمعها. فالدولة التي تُقيّد تدفق المعلومات، قد تحمي نفسها مؤقتًا، لكنها تخاطر بخسارة معركة الوعي على المدى الطويل. ونعرف جيداً أن العدو الذي يترصدنا وينصب نيران مدفعيته الثقيلة عبر منصاته في الداخل والخارج، يراهن بمنتهى القوة على “أزمة الوعي” وعلى تلك المساحة الفارغة في الإعلام المصري كي يملؤها هو بما يريد، خاصة بعد أن أصبحت الدول يتم إسقاطها بنقص الوعي والإعلام الموجه.

وفي عالم تتحول فيه الكلمة إلى سلاح، والصورة إلى جبهة قتال، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لدولة أن تنتصر في معركة الإعلام… دون إعلام حر؟!

إعدادات التحديث التلقائي

التحديث التلقائي
معطل
مدة التحديث (دقيقة)
دقيقة
تحديث عند تركيز التبويب
مفعل
تحديث الأخبار العاجلة فقط
إشعارات التحديث
التحديث الصامت

الإعدادات تحفظ تلقائيًا في متصفحك ولن تضيع عند إغلاق الصفحة.

أخترنا لك :

📧 اشترك معنا