كثيرون شعروا حين وفاة هاني شاكر، شكلّت أغنياته التي فاق عددها الستمائة، الخلفية الأرق في قصص حب أو مراهقة لا تُعد ولا تُحصى أيام "التطبيق"، من زمن "الكاسيت" الذي صدح في "مسجلّة" أو في ستيريو سيارة تحت "شباك الحبيبة"، إلى أجيال "التطبيقات" ولكن ما لا يعرفه الكثيرون منا، أن بعض هذه الأغنيات، تحمل خلف صناعتها وظهورها، كواليس لعلها أكثر إثارة من الغرام الذي شهدت عليه، وقد يشرح سردها في أحد جوانبه، سبب ربط "أمير الغناء العربي" من جهة بـ"العندليب"، على نحو أبعد من "الخطر" أو "المنافسة" أو "النفسنة" الفنية، ومن جهة أخرى بـ"العشق"
باكورة أغنيات شاكر، "حلوة يا دنيا"، قدّمها عام 1972 في حفل "سهرة الربيع الكبرى" بمصلحة الضرائب إلى جانب فايزة أحمد، من ألحان محمد الموجي الذي ساند "الفتى الصاعد" رسمياً بسبب خلاف قائم بين الملحن الأسطوري وعبد الحليم حافظ
وبشكل ما، استمرت نقطة الوصل مع "العندليب" في رابع أغنيات شاكر، "كده برضه يا قمر" عام 1975 من كلمات لم تعجبه في البداية، إذ رأى أنها خفيفة لا تُطرب، بعد أن رشحتها له شادية، لكنها أقنعته في النهاية لتقديمها إلى جانبها في "ليالي التلفزيون" كانت الأغنية الوحيدة التي غنّاها معه "حليم" على مسرح فندق "شيراتون القاهرة"، روى شاكر عن هذه الواقعة، أنه أصرّ قبل الصعود إلى المسرح هناك، استعاد ذكرياته كطفلٍ في الكورال خلفه، وقال له: "لو لم أسمع صوتك وأضاف متسائلاً: "كيف يُعقل أن يُحاربك عندها، احتضنه عبد الحليم وقبّله
في عام 1975 قدّم بليغ حمدي أغنية "هو اللي اختار" من ألحانه ومن كلمات محمد حمزة إلى حافظ، الذي أجلّ غناءها عاماً بعد عام بسبب مرضه، إذ طلب منه الأطباء تقديم أغنية واحدة سنوياً، فاختار تقديم "نبتدي منين الحكاية" في السنة عينها، ثم "قارئة الفنجان" في العام التالي، ما أغضب حمدي حتى أطلق عليها النقاد حينها لقب "أغنية الخصام" بين الأخيرين، التي وصلت إلى هاني شاكر عام 1977، إذ وافت المنية وارتبطت هذه الأغنية بعلاقة غرامية من اثنتين قال في تصريحات شخصية إنه قدّمها بإحساس كبير، إذ تواءمت كلماتها مع خروجه من قصة حب انتهت بسبب الاختلاف قصتا الحب "الفاشلتان"، ارتبطتا أيضاً بأغنيتي "يا ريتك معايا" و"صدّقيني"
تزّوج هاني شاكر من رفيقة أيامه المقبلة نهلة توفيق عام 1982، تجربة جديدة دفعته للمرّة الأولى مع "الخلافات الزوجية العادية" في البداية، إلى التعبير عن شعوره بتأليف "كتبتلي السنين" لنفسه كتابةً وتلحيناً، وإطلاقها في السنة عينه بنسختها الأولى، ما أشعر شريكته بالسعادة "إذ نكّدت عليه حتى أبدع"، على حد قوله
وصل عام 1989 من دون أن تخفت علاقة شاكر بحليم الذي رحل تاركاً في خزانته أغنية من دون غناء: "من غير ليه" من كلمات مرسي جميل أجلّ "العندليب" غناءها مراراً متذرعاً بالكلمات التي تبدلت جملها أكثر من مرة، قبل أن يعترف لاحقاً رفض "موسيقار الأجيال" منحها لمطرب آخر، فكانت آخر ما طرحه بصوته، ثمّ أعطاها إلى شاكر الذي كسر بها في السنة الأخيرة من ثمانينيات القرن الماضي، تصدر أغنيتي "لولاكي" و"ميال" جماهيرياً، وسجل هدفاً للأغنية الكلاسيكية يُذكر أن "اللواء" اشترط على شاكر غناءها على المسرح أولاً قبل تسجيلها، ليعلن أن الأخير "أفضل من غنّاها"
وأما الأغنية الأحب على قلب شاكر، هي "هو إنت لِسّه بتسألي" (2002)، من كلمات منصور قال في تصريحات سابقة: "في كل مرة أؤديها، أشعر وكأنني أغنّيها للمرة الأولى"
ولا بد في "ريبيرتوار" شاكر من حصة لبنانية بسبب حبه الكبير لبلاد الأرز التي ربطته بها علاقة وجدانية عميقة، إذ كانت وجهته الفنية الأولى خارج مصر، فغنّى على مسارحها برفقة فريد الأطرش وشادية، ولم يغب عنها في 2020 غنّى للمرّة الأولى باللهجة اللبنانية "كيف بتنسى" من كلمات نادين الأسعد وألحان وليد توفيق، ثم في 2024 قدّم "يا ويل حالي" من كلمات راميا بدور وألحان هيثم زياد
ولا تنتهي علاقة شاكر مع لبنان، حتى بعد وفاته، إذ سجّل الراحل أغنيتين لم تطرحا بعد: "ما بقتش نام" باللهجة المصرية، و"إلا أنا وياك"باللهجة باللبنانية، كأن صوته لا يزال يبحث عن طريقه إلى ناسه، واللبنانيون طبعاً منهم، فهو لم يتركهم في الويلات السابقة أيضاً