شاهر ي
عذراً، فلم ألتقِ بك يوماً، ولم أجلس معك في مقهى، ولم تصافح يدي يدك على مسرحٍ أو خلف كواليس حفلة
ومع ذلك تظل صديقاً، ولعلي أذكرك بأن بيننا صداقة قديمة تمتد لعقود، صداقة صنعها الهوى والصوت والندية، تعرفتُ إليك أول مرة ونحن في سن المراهقة، في تلك السنوات التي كانت فيها الأحلام أكبر من أعمارنا، وكان الفن فيها نافذةً يومها ظهر شاب مبتسم، أنيق الحضور، يقف على المسرح بثقة غير مألوفة، ويغني: "كده برضه يا قمر"، و"سيبوني أحب"
لم يكن مجرد صوت جميل، بل كان مزيجاً من الشباب والأناقة والجرأة الفنية وسط أساطين فن يصعب البروز بينهم
شعرنا يومها أن جيلاً جديداً كنا زمن ما بعد الهيبز، وزمن الموضة التي تشبه الشارلستون في خفتها ومرحها، وزمن الشباب الذي كان يبحث عن صدى صوته الخاص
وفي تلك اللحظة تحديداً، بدا لنا أنك تمثل هذا الجيل
لم تكن تقليداً لأحد، وتحاول عدم التمرد كان أمامك جبلٌ اسمه عبد الحليم حافظ، وكانت هناك قمم شامخة مثل أم كلثوم وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة
تلك الأسماء المرعبة للقادم الجديد، ومدارس تحترم في الغناء
لذلك لم يكن من السهل على فنان شاب أن يشق طريقه من دون أن يصطدم بعقبات هذه العظمة الراسخة
لكنك كنت ذكياً بما يكفي لتبحث عن طريقٍ جانبي، طريق يحمل روح وفي سنواتك الأولى، كنت واضحاً، واخترت ألحاناً رومانسية، وأغنيات تمس القلب مباشرة، بصوت يحوي الرقة والشباب ودفء العاطفة
كنا نسمعك فنشعر أن هناك من يغني باسم جيلنا، الذي كان يعيش أول تجاربه مع الحب والحياة
لكن الطريق الفني لم يكن مستقيماً دائماً
فمررت بمراحل وتحولات، ومحاولات اقتراب مما سُمّيت كان ذلك زمناً مختلفاً تغيرت فيه الأذواق بسرعة، وربما لم يكن هذا المسار هو الأقرب إلى روحك الفنية
لذلك ظهر بعض أعمالك أقل ومع ذلك، فإن الفنان الحقيقي يعرف دائماً كيف يعود إلى ذاته، عبر وبعد رحيل عبد الحليم حافظ، بدا كأنك أدركت أن قوتك الحقيقية تكمن في المدرسة الطربية الأصيلة التي نشأت عليها
فعدت إلى الجذور، إلى أغنية الأصالة، على اللحن العميق وفي تلك المرحلة، صرت تغني التراث، وتبدع في تقديم أغنيات الفنانين الكبار بروحٍ جديدة
لم تكن تقلدهم، وكأن صوتك يقف بين الماضي والحاضر، بشخصيةٍ تتبع الاحترام فنياً وعائلياً، وكانت ذروة أغنياتك لمطربين سبقوك – في رأيي – عندما أديت "من غير ليه"، جوهرة الإبداع، التي أهداها إليك موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب
يومها شعرنا بأن التحفة خُلقت لصوتك تحديداً، فأديتها بإحساس عالٍ، وحضور يجعل المستمع يعيش كل كلمة وكل صدقني، يا فنان أن ذكراك عندنا أجمل من مجرد أغنيات، طوال سنواتك الطويلة في الفن، لم نسمع أنك دخلت خصومةً جارحة مع أحد، ولم نسمع أنك أسأت إلى زميل أو حاولت أن تعطل طريق غيرك
بقيت محافظاً على صورة الفنان الهادئ، المهذب، ولهذا، حين سمعنا أخيراً خبر مرضك ودخولك المستشفى، شعرنا بشيء من الحزن يشبه حزننا على ضمور بعض ذاكرتنا
ليس لأنك مجرد مطرب نحبه، بل لأنك صوتك رافق سنوات شبابنا، وأغنياتك كانت تعيش يا، ربما لم ترَني يوماً، ومؤكد أنك لن تقرأ هذه الكلمات بعد رحيلك الحزين، لكنني أكتبها باعتباري واحداً من جيلٍ مررتَ به ومرَّ بك
جيلٍ رأى فيك فناناً صادقاً، قريبا، وصوتاً جميلاً، ووجهاً فنياً نقيّاً، رحمك الله