أحمد بهاء شعبان يكتب: انتخابات نقابة المهندسين. قراءة أوَّلية
حُسمت، يوم الجمعة 13 مارس الماضي، نتيجة الانتخابات الضارية على مقعد نقيب مهندسي مصر، الذي خلى بانقضاء فترة رئاسة المهندس “طارق النبراوي”، بعد منافسة ضارية بين الدكتور مهندس “محمد عبد الغني”، نائب البرلمان الأسبق (2015 ـ 2020)، وعضو المجلس الأعلى لنقابة المهندسين (2014 ـ 2016)، ورئيس اتحاد طلاب هندسة المطرية ـ جامعة حلوان (1993)، وبين المهندس “هاني ضاحي”، نقيب المهندسين الأسبق (2018 ـ 2022)، والوزير الأسبق للنقل، في حكومة المهندس “إبراهيم محلب الثانيه (2014 ـ 2015)، والكادر “التكنوقراطي” القريب من الحكومة وأحزابها وأجهزتها.
دلالة واضحة كـ”تحول ملحوظ” في المشهد النقابي، حيث استطاع مرشح مُستقل، يمثل تَوَجُّهًا وطنيًا ديمقراطيًا عامّاً، الفوز على مرشح قريب من “السلطة المهيمنة”، الأمر الذي يعكس القدرة (النسبية) للتيارات المُستقلة والمُعارضة الوطنية، على حشد أعضاء الجمعية العمومية خلف مرشحها، رغم محدودية الإمكانيات مُقارنة بمرشح النظام، وما تواجهه من عنت ومصاعب!
وفي ظل سيطرة الدولة على غالبية النقابات المهنية والعمالية، يأتي هذا الفوز كحالة مُميزة، تُعيد الاعتبار لدور النقابات ككيان مستقل.
ويبرز عامل الظرف الراهن كعنصر مهم في هذا السياق، حيث تواجه النقابات المهنية والعُمالية تحديات كبيرة في الحفاظ على استقلاليتها، والتحرُّر من أثقال سعي البيروقراطية المصرية لإدامة وضع الهيمنة المفروضة عليها، وفي مواجهة سياسة دمج المجتمع الأهلي وتقييد الحريات النقابية، والتصدي لأية محاولات تسعى سعيها الدستوري المشروع، إلى خلق كيانات للعمل المدني، مُستقلة وقادرة على الدفاع عن مصالح مُنتسبيها!
ومن المهم محاولة تفسير هذه النتيجة، للاستفادة من هذا التحليل في فهم أبعاد ما حدث، خاصةً وأنها تأتي بعد نتائج مُشابهة حدثت في انتخابات “نقابة الصحفيين” الأخيرة، بوصول مرشح مُستقل هو الأستاذ “خالد البلشي”، الذي تفوق على منافسيه الذين ينتمون إلى مؤسسات رسمية ضخمة، ويملكون إمكانات تواصل وإعلان أكبر بما لا يُقاس، وكذلك في نقابة الأطباء، بوصول الدكتور أسامه عبد الحي إلى موقع النقيب! ويلاحظ المدققون في استيعاب نتيجة انتخابات نقابة المهندسين الأخيرة مجموعة من الملاححظات المهمة، لعل في مقدمتها اكتساح الدكتور محمدعبد الغني لمنافسه في أغلب المحافظات المصرية، فقد حقق الدكتور محمد عبد الغني أرقاماً كبيرة في محافظات الصعيد والدلتا؛ منها، على سبيل المثال، في محافظة سوهاج، حيث حصل على 277 صوتاً مقابل 68 لمنافسه، وفي القليوبية تجاوز الـ 443 صوتاً مقابل 214، كما تفوق في الشرقية، وأسيوط، السويس، والمنوفية، … إلخ.
أمّا في العاصمة، القاهرة، فقد تخطت الأصوات التي منحت ثقتها للدكتور محمد عبد الغني، تلك التي حازها م. هاني ضاحي مقدار الضعف (2819 مُقابل 1246)، وهلم جرا!
والملحوظة الثانية والمرتبطة بما سبق، أن الذي حسم أمر الفوز من عدمه، ليس أصوات المحافظات الكبرى، كالقاهرة والإسكندرية، كالمعتاد في السابق، وإنما أصوات باقي المحافظات، التي كوَّنت في مجموعها إجمالي عدد الأصوات الحاسمة، وهو أمر مهم يمكن الاستفادة منه في المستقبل.
أما الملاحظة السلبية الكبيرة، والتي يجب أن تلفت نظر المحللين بشدة، فهي تضاؤل نسبة المشاركين في هذه الانتخابات قياساً إلى العدد الكُلِّي للمهندسين المصريين، إذ لم يتجاوز عدد المشاركين 17.532 مهندساً، من إجمالي عدد أعضاء النقابة البالغين نحو تسعمائة ألف عضو، وهي نسبة بالغة الضآلة، وتشي بفقدان ثقة الأغلبية في فكرة الانتخابات، كل الانتخابات، وفي نزاهتها وجدواها، لما اعتادوا عليه من مسلكيات تنزع المصداقية والثقة من هذه العملية بالكامل، وتحولها إلى إجراء بيروقراطي شكلي، كما حدث في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وشعارهم الدارج الذي يتردد في كل المحافل: “مافيش فايده”!
ويُمكن أن نَشْتم في نتائج انتخابات نقابة المهندسين، وقبل ذلك في انتخابات نقابة الصحفيين وغيرها، رائحة “التصويت العقابي”، والذي يبدو من خلال التصويت بالسالب ضد مرشحي السلطة، كنوع من الموقف الرافض لتدخلها الذي يفقد الانتخابات نزاهتها وقيمتها، ويُفاقم من مفاسد العمليات الانتخابية على مدار العقود، وهو الأمر الذي يمثل موقفاً غاضباً من عمليات التدخُّل الفاضح للتأثير على نتائج الانتخابات لصالح عناصر بعينها رغم أنف الإرادة الشعبية، ويتجاهل الإنفاق الهائل على الدعاية، وشراء الذمم والأصوات وكراسي البرلمان بملايين الجنيهات، واضطهاد المرشحين المغضوب عليهم، وانحياز الأجهزة لصالح المرشحين المرضي عنهم، … إلخ!
ومن ناحية أخرى، فيمكننا أن نرى في نتيجة انتخابات المهندسين، أيضاً ملامح فشل لاستراتيجية الحشد الانتخابي المُنَظَّم والمدفوع الثمن، والتي طالما استُخدمت في انتخابات لا عد لها: سياسية، وبرلمانية، ونقابية، ورياضية. إلخ إلخ، ولم تكن نقابة المهندسين بمنأى عن نتائجها الكارثية في محاولة التأثير على مسيرة واحدة من أهم وأكبر النقابات المصرية والعربية والشرق أوسطية، على نحو ما حدث في الجمعية العمومية العامة، (31 مايو 2023)، حينما فشلت عناصر اتهمت بالانتماء لأحد “أحزاب الموالاه”، بالاعتداء على لجان الفرز والمهندسين، بعد أن تأكدت من أن عمليات فرز الصناديق الأولية على سحب الثقة من نقيب المهندسين آنذاك، المهندس “طارق النبراوي”، تشي بكثافة المصوتين على استمراره في موقعه النقابي!
وأخيراً، فإن فوز الدكتور محمد عبد الغني يُعدُّ بمثابة تأكيد على رغبة قطاع واسع من المهندسين في اختيار مسار تيار استقلال النقابة، وتجاوز القوائم المدعومة رسمياً، وهو ما يضع النقابة، بل وسائر النقابات المهنية والعمالية المصرية في مرحلة جديدة من العمل الخدمي والمهني المستقل، توجب تَمَسُّك النقيب الجديد بالتزامه بأن يُمَثِّل تطلعات المهندسين المهنية بعيداً عن الاستقطابات السياسية، ومُرَكِّزاً على ملفات تحسين المعاشات، وتأكيد دور النقابة في المشروعات العامة، وتطوير التعليم الهندسي، وترقية الرعاية الصحية لجموع المنتسبين لها، والاهتمام بالرعاية الاجتماعية لأسر المهندسين، وغيرها من بنود البرنامج الانتخابي الذي ألزم النقيب الجديد نفسه بتنفيذه حال فوزه.
ولعل مما يؤكد الأمل في نجاح النقيب الجديد، د. محمد عبد الغني، في مسيرته المُرتقبة، ما سبق وأن أعلنه على الملأ من أنه: “لا توجد خلافات أو انقسامات تعيق عملنا النقابي، فعلاقتي طيبة بجميع الزملاء الفائزين من مختلف القوائم. هدفنا واحد، وسنقدّم معاً تجربة رائعة تلبي طموحاتكم في هذا الوقت الحرج الذي يحتاج لحلول حقيقية”.