لم تعد الأسرة كما كانت في السابق، فمع التحولات المتسارعة التي فرضها عصر الرقمنة، لم يعد التغيير مجرد اختلاف في نمط الحياة، بل حدث تحول نفسي عميق أعاد تشكيل العلاقات داخل المنزل. وربما يطال دفء هذه العلاقات بعد أن يختلط دور الأب أو الزوج بدور الموظف
ويأتي العمل من المنزل في مقدمة هذه التحولات، بعدما ألغى الحدود التقليدية بين الحياة المهنية والأسرية، وخلق واقعًا جديدًا لم تعتد عليه الأسر من قبل، بجانب تأثيره النفسي الواضح على أفراد الأسرة
الأسرة في عصر الرقمنة
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة إيمان عبدالله، استشاري العلاج النفسي الأسري: في الماضي، كان هناك فاصل واضح بين العمل والبيت، يخرج الفرد إلى عمله يواجه ضغوطه ثم يعود إلى منزله باحثًا عن الراحة والتوازن
أما اليوم، فقد اختفى هذا الفاصل تمامًا عندما أصبح عدد كبير من الأسر قادرًا على العمل في البيت لوقت طويل قد يصل إلى شهور أو سنوات، وأدت هذه الاختلافات الفارقة التي أحدثتها الرقمنة إلى وضع العقل في حالة تشغيل دائم لا يميز بين وقت العمل ووقت الراحة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية داخل الأسرة
وتابعت عبدالله، هذا التداخل أدى إلى صعوبة انتقال الفرد من دور الموظف إلى دور الزوج أو الأب، فبدلًا من أن يكون متفاعلًا عاطفيًا، أصبح منشغلًا ذهنيًا، ما قلل من قدرته على الاحتواء والتواصل
تأثير العمل من المنزل على المرأة
فيما، أوضحت استشارية العلاج النفسي الأسري، أن المرأة تأثرت بشكل أكبر بهذه الفروقات، حيث وجدت نفسها أمام واقع يفرض عليها أداء أدوار متعددة في نفس الوقت ومن نفس المكان، فهي تعمل، وترعى الأطفال، وتدير شؤون المنزل دون أي فاصل نفسي أو زمني في آن واحد
الدكتورة إيمان عبدالله
وهذا التداخل القسري خلق حالة من "الحمل الإدراكي الزائد"، وهو شعور دائم بالضغط والمسؤولية قد يتحول إلى توتر مزمن أو عصبية أو حتى انسحاب عاطفي، خاصة مع غياب التقدير الكافي لما تبذله من جهد
ولم تسلم العلاقة الزوجية من هذه التحولات، إذ قالت الدكتورة إيمان عبدالله: "تحولت العلاقة بين الزوجين بعد عصر الرقمنة من علاقة قائمة على الاشتياق واللقاء إلى علاقة قائمة على التواجد الدائم والاحتكاك المستمر"، فبعدما كان اللقاء فرصة للتقارب، أصبح الاحتكاك اليومي بين الزوجين سببًا في تضخيم المشكلات الصغيرة، وخلق حالة من الجفاف العاطفي والاستنزاف النفسي
تآكل الحدود النفسية بين الزوجين
ومن أخطر ما أفرزه هذا الواقع، هو تآكل ما يُعرف بـ"الحدود النفسية"، وهي قدرة الفرد على الفصل بين أدواره المختلفة، فلم يعد هناك فرق واضح بين وقت العمل ووقت الراحة، ولا بين المساحات المخصصة لكل نشاط، حيث تحولت غرف النوم إلى مكاتب، واختلطت الأدوار داخل نفس المكان
هذا التداخل المستمر خلق حالة من التوتر الدائم، وشعورًا بالذنب عند محاولة الراحة، بل وفقدان الإحساس بالسيطرة على مجريات الحياة اليومية
العمل من المنزل
وأوضحت عبدالله أن الحل لا يكمن في رفض العمل من المنزل، بل في إعادة تنظيمه بشكل يضمن الحفاظ على التوازن النفسي داخل الأسرة، ويبدأ ذلك بتحديد أوقات واضحة للعمل، وخلق طقوس انتقالية تساعد العقل على التبديل بين الأدوار، مثل تغيير الملابس أو أخذ استراحة قصيرة
كما نصحت بتخصيص مساحة محددة للعمل داخل المنزل، بعيدًا عن أماكن الراحة، إلى جانب تخصيص وقت يومي خالي من الشاشات، يُستخدم للتواصل الحقيقي بين أفراد الأسرة
تأثير السوشيال ميديا على الخلل الأسري
وقالت استشارية العلاج النفسي الأسري إنه لم يكن العمل من المنزل وحده هو العامل المؤثر في الخلل الحادث بين أفراد الأسرة، بل تداخلت معه السوشيال ميديا كعنصر يزيد من تعقيد المشهد داخل الأسرة
فمع التواجد المستمر في المنزل، أصبحت الهواتف المحمولة المراقبة للعصر الحديث جزءًا من الروتين اليومي، لا تفارق الأفراد حتى في أوقات الراحة
هذا الاستخدام المستمر لا يترك مساحة حقيقية للهدوء أو إعادة الشحن النفسي، حيث تفرض الإشعارات والتفاعلات حالة من اليقظة الدائمة، فيظل العقل منشغلًا حتى في لحظات يفترض أن تكون مخصصة للأسرة
أزواج بجسد بلا روح
كما تسهم السوشيال ميديا في سحب الانتباه من التفاعل الحقيقي داخل البيت، فيتحول التواجد الجسدي إلى مجرد وجود شكلي، بينما ينصرف الذهن إلى العالم الافتراضي، وهو ما دفع بعض النساء لوصف أزواجهن الذين يعملون من المنزل بأنهن "أجساد بلا روح"
الشعور بالذنب عند الراحة عند العمل من المنزل
وهذا الأمر يعمّق المشكلات النفسية ويجعل الفصل بين الأدوار أكثر صعوبة، ومن التأثيرات النفسية الخفية للعمل من المنزل، ظهور ما يمكن تسميته بـ"الشعور بالذنب عند الراحة"، حيث يجد الفرد صعوبة في الاستمتاع بوقته داخل المنزل دون الشعور بأنه مقصر في العمل
فغياب الحدود الواضحة بين المهام يجعل الراحة تبدو وكأنها إهمال، وهو ما يؤدي إلى استنزاف نفسي مستمر حتى في أوقات يفترض أن تكون مخصصة للتعافي
وأوضحت عبدالله أن الفواصل الطبيعية بين الأنشطة قديمة كانت تمنح العقل فرصة للهدوء، وهو ما اختفى مع العمل من المنزل، ليحل محله إيقاع سريع ومستمر لا يمنح فرصة حقيقية للراحة
التأثير السلبي على الأطفال لعمل الوالدين من المنزل
ولا يقتصر التأثير على الزوجين فقط، بل يمتد إلى الأبناء، الذين يشعرون بغياب التفاعل الحقيقي رغم وجود الوالدين في المنزل، فانشغال الأهل بالعمل داخل نفس المساحة يقلل من جودة التواصل، ويجعل الطفل يشعر بأنه غير مرئي أو غير مُنتبه له بالشكل الكافي