في الوقت الذي يتسابق فيه الكثيرون لتناول المكملات الغذائية سعيا لتعزيز الصحة، فجّرت دراسة حديثة من جامعة "أليكانتي" الإسبانية مفاجأة من العيار الثقيل، إذ كشفت أن الزيادة غير المدروسة في مستويات الحديد والزنك بالجسم قد لا تكتفي بعدم تقديم الفائدة، بل قد تمتد لتصيب "القدرات الإدراكية" والذكاء بضرر مباشر.
السمنة والقدرات الذهنية علاقة ثلاثية معقدة
ركز العلماء في أبحاثهم على فئة محددة شملت مئات المشاركين ممن يعانون من السمنة، حيث خضعوا لفحوصات دقيقة لتقييم كفاءة الدماغ والعمليات الذهنية. وجاءت النتائج لتدق ناقوس الخطر، مؤكدة أن تأثير هذه المعادن يختلف باختلاف "نوع" المهمة الذهنية التي يؤديها الإنسان.
الحديد والمنطق.. صراع المرونة الإدراكية
كشفت التحليلات الإحصائية، بعد استبعاد العوامل التقليدية كالعمر والمستوى التعليمي، أن الارتفاع الكبير في مستويات الحديد يرتبط بشكل وثيق بضعف الأداء في المهام التي تتطلب:
التفكير المنطقي: القدرة على حل المشكلات المعقدة.
المرونة الإدراكية: سرعة التكيف مع المعلومات الجديدة وتغيير زوايا التفكير. وقد ظهر هذا التأثير بوضوح لدى البالغين ذوي الوزن الزائد، مما يشير إلى حساسية خاصة لدى هذه الفئة تجاه جرعات الحديد العالية.
الزنك والذاكرة العاملة.. خلل في "المعالجة السريعة"
أما فيما يخص الزنك، فرغم أهميته المناعية المعروفة، إلا أن الإفراط في مكملاته ارتبط بتدهور ملحوظ في "الذاكرة العاملة". وتعد هذه الذاكرة هي المسؤول الأول عن تخزين ومعالجة المعلومات بشكل مؤقت أثناء أداء المهام اليومية، مما يعني أن زيادة الزنك قد تؤدي إلى تشتت ذهني وبطء في استحضار المعلومات.
تحذيرات من الاستخدام العشوائي
حذر خبراء الصحة من ظاهرة "الاستخدام غير المدروس"، حيث يقع الكثيرون في فخ الجمع بين عدة منتجات تحتوي على نفس المكونات (مثل الفيتامينات المتعددة ومكملات المعادن المنفصلة)، مما يؤدي إلى تجاوز الجرعات الآمنة دون انتباه. وأكد العلماء أن هذه النتائج تثير تساؤلات جوهرية حول كيفية تأثير المكملات على الصحة الإدراكية، خاصة لدى المصابين بالسمنة الذين قد يعاني جسمهم بالفعل من التهابات مزمنة تتفاعل سلبياً مع هذه المعادن.
الحاجة إلى دراسات سريرية
رغم قوة النتائج، إلا أن الفريق البحثي الإسباني وصفها بـ "الأولية"، مشدداً على ضرورة إجراء دراسات سريرية طويلة المدى تعتمد على المؤشرات الحيوية الدقيقة لتأكيد هذا الارتباط. ومع ذلك، تظل الرسالة الواضحة للجمهور هي: "المكملات ليست حلوى"، ولا يجب تناولها إلا بناءً على فحوصات مخبرية وتوصية طبية دقيقة.