في إطار سعي الدولة لدعم وتمكين ذوي الهمم، تأتي “بطاقة الخدمات المتكاملة” كإحدى أهم الوسائل التي تضمن لهم حقوقهم في الرعاية والخدمات. لكن على أرض الواقع، يواجه الكثيرون معاناة حقيقية أثناء إجراءات استخراجها، وهو ما عايشته بنفسي خلال يوم الكشف الطبي داخل مستشفى القوات المسلحة بالمعادي.
منذ اللحظة الأولى لدخول المستشفى، تبدأ رحلة من المعاناة؛ فطريقة تعامل بعض الموظفين -بدءًا من شباك الحجز وحتى الدخول للكشف- تفتقر تمامًا إلى أبسط معايير الإنسانية والمهنية. أسلوب حاد، نبرة صوت مرتفعة، وتعامل غير لائق مع ذوي الإعاقة وأسرهم، وكأنهم عبء ثقيل وليسوا أصحاب حق أصيل في الخدمة.
أما عن الإجراءات الطبية، فمن المفترض أن تكون الأوراق المطلوبة من تحاليل وأشعات كافية لإتمام الكشف، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا. يتم تجاهل هذه المستندات، ويُطلب من المرضى إعادة الفحوصات مرة أخرى داخل المستشفى بتكاليف مرتفعة.
شكل هذا الأمر عبئًا ماديًا قاصمًا، خاصة أن كثيرًا من الحالات لم تكن تملك القدرة على دفع هذه التكاليف، مما اضطر البعض إلى عدم استكمال الإجراءات.
وما يزيد من قتامة المشهد، هو غياب أي جهة رقابية أو مسؤول يمكن اللجوء إليه عند حدوث مشكلة. حالة من الفوضى والتكدس تسيطر على المكان، دون تنظيم واضح أو نظام يحفظ للمرضى كرامتهم.
أما عن الانتظار، فهو قصة أخرى من المعاناة؛ فبعد الانتهاء من إجراءات الحجز في تمام الساعة 11 صباحًا، استمر الانتظار حتى الساعة 2 ظهرًا لدخول الكشف، في ظل حرارة الشمس المرتفعة، وغياب تام لأماكن مناسبة للجلوس أو الاستراحة. مشاهد مؤلمة لأسر تحمل أبناءها من ذوي الهمم، خاصة من يعانون من التوحد، وفرط الحركة، والإعاقات الذهنية أو البصرية، وسط إرهاق شديد دون أي تفسير أو اهتمام بأسباب هذا التأخير.
ولم تقف المعاناة عند هذا الحد، فالمكان يفتقر إلى أبسط مقومات الراحة، مما اضطر البعض لافتراش الأرض أو التوجه إلى المصلى بحثًا عن زاوية يستريحون فيها. وقد مثلت التكاليف عبئًا إضافيًا يثقل كاهل الأسر؛ إذ تصل تكلفة بعض الفحوصات -خاصة المتعلقة بالإعاقة البصرية- إلى ما يقارب (7000 جنيه مصري)، وهو مبلغ باهظ لا يتناسب إطلاقاً مع طبيعة خدمة يُفترض أنها مُدعمة لمساعدة هذه الفئة وتخفيف العبء عنها.
ومن أكثر المشاهد إزعاجًا وانتهاكاً لخصوصية المريض، أن بعض الأطباء كانوا يقومون بإجراء الفحوصات “التعليمية” على حساب المرضى؛ حيث يتم شرح الحالة لمجند أو متدرب أثناء إجراء الكشف، مما يطيل مدة الفحص ويزيد من إرهاق الشخص من ذوي الإعاقة جسدياً ونفسياً.
ومن الجدير بالذكر، أن تسليط الضوء على هذه الوقائع ينبع من غيرة وطنية خالصة وحس إنساني يرفض أن تُشوه المبادرات النبيلة بخلل إداري أو قصور في منفذ خدمة بعينه.
فهذا الرصد لا ينتقص بأي حال من المنظومة الشاملة أو الجهود المؤسسية، إذ لا تزال ذاكرتنا تحتفظ بنماذج مشرفة ومضيئة داخل منشآت طبية أخرى. ففي تجارب سابقة داخل مستشفى كوبري القبة على سبيل المثال، لمسنا انضباطاً مؤسسياً وراحة تامة، وتجلى هناك الفهم الحقيقي لمعاني الرفق والرحمة، حيث عُومل المريض بما يليق بكرامته الإنسانية التي أقرتها الشرائع وكفلتها توجهات الدولة.
هذا التباين يبرهن بوضوح على أن الخلل يكمن في غياب الرقابة وسوء إدارة المشهد داخل مستشفى المعادي في ذلك اليوم تحديداً (الأربعاء 15 أبريل 2026)، مما يستوجب مراجعة عاجلة لضبط الأداء وتوحيد معايير الجودة الإنسانية.
وفي النهاية، ما حدث ليس مجرد تجربة فردية عابرة، بل هو انعكاس لمعاناة حقيقية يعيشها الكثير من ذوي الهمم وأسرهم داخل تلك الأروقة.
هؤلاء لا يحتاجون فقط إلى خدمات طبية مجردة، بل إلى احتواء واحترام، ونظام يراعي ظروفهم الخاصة ويتوافق مع مقاصد ديننا الحنيف في جبر الخواطر وتوقير أصحاب الأعذار. إن تحسين هذه المنظومة لم يعد مجرد رفاهية إدارية، بل ضرورة إنسانية ملحة، لضمان حصول ذوي الهمم على حقوقهم بكرامة وعدالة.