حسام بدراوي يكتب لـ””: أنا مش ملاحق
ليس لأن الوقت ضيق فقط،ولا لأن العمر أصبح مزدحمًا بالمسؤوليات،بل لأن العالمأصبح يتدفق نحوي بلا توقف
كل دقيقة، بل كل ثانية،تصلني عشرات الرسائلأخبارتحليلاتفيديوهاتآراءتنبيهاتصدماتمخاوفونصائح
عالم كامل يُقذف في رأسيدون أن أطلبه
أفتح هاتفي لأقرأ رسالةفأجد نفسي بعد دقائقأو ساعاتأتنقل بين عشرات الموضوعات
حرب هناأزمة هناكرأي سياسي حادتحليل اقتصادي معقدقصة إنسانية مؤثرةومعلومة طبية قد تنقذ حياة
بعضها مفيدنعملكن أكثرهاليس كذلك
ومع ذلكأقرأ
السؤال الذي يطاردني
كم من الوقت نُهدرفقط لنختار ما يستحق أن نقرأه؟
وكم من هذاالاختيارليس اختيارًا حقيقيًابل استجابة لما فُرض علينا؟
نحن لا نستهلك المعلومات فقطبل نُعاد صياغتنا بها
حتى تلك الأفكار التي نرفضهاتمر عبر عقولنا،تترك أثرًا خفيًا،ثم تختفي
لكنهل تختفي حقًا؟
هل يمكن لفكرة غير منطقية،قرأناها مرورًا سريعًا،أن تُغيّر شيئًا في داخلنا؟
هل يمكن لتكرار الرسائلحتى السطحية منهاأن يبني نمطًا جديدًا من التفكير،يتسلل إلى النفسدون أن نشعر؟
أنا أظننعم
ليس لأننا ضعفاء،بل لأن عقولنا لم تُخلق لهذا السيل الجارف
العقل البشري صُمم ليتأمل،لا ليُقصف
ليختار،لا ليُغمر
وهنا يبرز سؤال أخطر
هل هناك عقل خفييشكّل وجدان البشرية؟
ليس بالضرورة شخصًا واحدًا،ولا مؤامرة بالمعنى التقليدي
بل منظومةخوارزمياتمنصاتمصالحتدفع بما يجب أن نراه،وتُخفي ما لا يجب
نظن أننا نختاربينما نحن نُقاد بلطف
المشكلة ليست في المعلومةبل فيفيض المعلومة
فالقطرة تُنعش،أما السيلفيُغرق
كيف نتعامل إذن؟
ليس بالانسحاب من العالمولا بإغلاق الأبواب
بل بأن نستعيد حقنا في الاختيار
أن نسأل قبل أن نقرألماذا أقرأ هذا؟
أن نُبطئفي عالم يُجبرنا على السرعة
أن نقبل أننا لن نعرف كل شيءولا يجب أن نعرف كل شيء
المعرفة ليست في الكثرة،بل في العمق
وليست في ما يمر بعقولنا،بل في ما يبقى فيها
ربما الحل ليس أننلحقبل أن نقرر
ماذا يستحق أن نلحق بهوماذا يجب أن نتركه يمر
أنا لا أزالمش ملاحقلكنني بدأت أتعلمأن هذا ليس عيبًا
بل ربماهو أول الطريق للفهم