تتجه الأنظار مجددًا إلى قطاع النفط في فنزويلا، في ظل جدل متصاعد حول الشفافية وإدارة العائدات، بعد وعود أمريكية وفنزويلية بإطلاق مرحلة إصلاح جديدة، تصطدم وفق تقارير دولية بمعطيات عن استمرار شبكات فساد وصفقات مشبوهة داخل القطاع النفطي الحيوي.
وبحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز، فإن المبادرات الرامية إلى تعزيز صادرات النفط الفنزويلي وإعادة دمجه في الأسواق العالمية لم تُترجم حتى الآن إلى آلية واضحة وشفافة لإدارة عائدات النفط، ما أثار تساؤلات حول الإرادة السياسية لدى كل من واشنطن وكاراكاس في تنفيذ إصلاحات حقيقية.
وأشار التقرير إلى أن الجانبين تعهدا بإطلاق مرحلة جديدة من الشفافية عقب التحولات السياسية الأخيرة في فنزويلا، بما يشمل إخضاع قطاع النفط لرقابة دولية أوسع، وتطوير آليات لتتبع الإيرادات وضمان عدم تسربها إلى قنوات غير رسمية.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن ستتولى الإشراف على مبيعات النفط الفنزويلي، مع إلزام كاراكاس بتقديم تقارير مالية شهرية، وتعيين مدققين دوليين لمراجعة العائدات. كما أكدت القيادة الفنزويلية الجديدة برئاسة ديلسي رودريغيز إمكانية تتبع «كل دولار» من عائدات النفط عبر منصة إلكترونية مخصصة.
ورغم هذه التعهدات، تكشف وثائق وإحصاءات رسمية عن صورة أكثر تعقيدًا، إذ تشير إلى أن ما يقارب دولارًا واحدًا من كل دولارين من عائدات النفط خلال السنوات الماضية تعرض للاختلاس أو لم يُسجل بشكل صحيح، في ظل تاريخ طويل من الفساد الذي طبع قطاع الطاقة في البلاد.
وتسعى الولايات المتحدة ضمن خطة أوسع إلى جذب استثمارات قد تصل إلى 100 مليار دولار في قطاع النفط الفنزويلي، وهو ما يعتمد بشكل أساسي على طمأنة الشركات العالمية بشأن سيادة القانون وحماية الاستثمارات، إلى جانب ضمان شفافية العائدات.
لكن التقرير يسلط الضوء على استمرار شبكات نفوذ مرتبطة بفترة حكم الرئيس السابق نيكولاس مادورو، حيث تحولت شركة النفط الوطنية PDVSA خلال سنوات حكمه إلى مركز نفوذ اقتصادي سمح ببيع النفط بشروط تفضيلية لصالح مقربين من السلطة.
وتشير وثائق إلى دور بارز لشخصيات مقربة من العائلة الحاكمة السابقة، من بينهم كارلوس مالبيكا فلوريس، الذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات تتعلق بتسهيل الفساد، وسط اتهامات له بالاستفادة من عقود نفطية ضخمة دون سداد مستحقات كاملة للشركة الوطنية.
كما تكشف البيانات أن ما يقارب 240 ناقلة نفط غادرت فنزويلا بين عامي 2019 و2022 دون تسديد مستحقات، ما كلف الدولة خسائر تُقدر بنحو 13 مليار دولار، وفق تقديرات مالية رسمية، قبل أن يتم لاحقًا شطب جزء كبير من هذه الديون.
ورغم تغييرات إدارية داخل قطاع النفط، بما في ذلك إجراءات للحد من الشحنات غير المدفوعة، إلا أن تقارير تفيد باستمرار استفادة بعض رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق من امتيازات تجارية، عبر شركات مسجلة في الخارج أو عبر آليات دفع غير تقليدية.
ومن أبرز الأمثلة شركة “هانغتشو للطاقة” المسجلة في الصين، والتي أُشير إلى ارتباطها بشبكات نفوذ قديمة، وحصولها على امتيازات تصدير نفط بشروط تفضيلية، في مقابل ترتيبات غير شفافة تتعلق بالمساعدات أو المدفوعات المحلية.
كما أظهرت الوثائق استخدام العملة المحلية “البوليفار” في بعض الصفقات بدلاً من الدولار، ما أدى إلى أرباح غير مباشرة نتيجة تقلبات سعر الصرف والتضخم المرتفع، وهو ما زاد من تعقيد عملية تتبع العائدات.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الفنزويلية الجديدة أنها تعمل على تعزيز الشفافية، لم يتم حتى الآن نشر سوى بيانات محدودة عبر المنصة الإلكترونية المخصصة، تضمنت عملية بيع واحدة بقيمة 300 مليون دولار دون تفاصيل كافية حول الأطراف المستفيدة.
ولا تزال واشنطن تلتزم الصمت العلني بشأن تفاصيل الاتفاقات، مكتفية بالتأكيد على وجود التزامات أولية من الجانب الفنزويلي، مع الإشارة إلى أن شركات تدقيق دولية ستتولى مراجعة مستقبلية للبيانات المالية.
وبين وعود الإصلاح ومعطيات الفساد المتجذّر، يبقى مستقبل قطاع النفط الفنزويلي مرهونًا بمدى قدرة الأطراف المعنية على تحويل الخطط السياسية إلى نظام رقابي فعّال يضمن الشفافية ويعيد الثقة إلى أحد أهم مصادر الطاقة في العالم.