حسام بدراوي يكتب: قراءة نقدية في إنشاء مركز للطب النبوي
في لحظة عابرة، قد يخطئ القارئ في قراءة عبارة “الطب النبوي” فيظنها “الطب النووي”، فينتقل ذهنه مباشرة إلى أحدث ما وصل إليه العلم من تطبيقات في التشخيص والعلاج. لكن سرعان ما ينكشف المعنى الحقيقي، فنجد أنفسنا أمام مفارقة صادمة: انتقال من أفق العلم التجريبي المتقدم إلى استدعاء مفاهيم تراثية تُطرح اليوم في إطار مؤسسي أكاديمي.
هذه المفارقة ليست لغوية فحسب، بل معرفية ومنهجية، وتستحق وقفة تحليلية تتجاوز الانفعال إلى الفحص الدقيق.
أولًا: إشكالية التعريف – هل “الطب النبوي” علم؟
ما يُعرف بالطب النبوي هو مجموعة من النصوص والروايات التي تتناول الصحة والغذاء والوقاية، والتي نشأت في سياق تاريخي وثقافي محدد. هذه النصوص، مهما بلغت قيمتها الروحية أو التاريخية، لم تُنتج ضمن إطار منهج علمي تجريبي، ولم تخضع لمعايير البحث الطبي الحديث من حيث:
الفرضية القابلة للاختبار
التجربة المعملية أو السريرية
التكرار والتحقق
النشر والمراجعة العلمية
وبالتالي، فإن تصنيفها كـ“علم طب” يمثل خلطًا بين المعرفة التراثية والمعرفة العلمية، وهو خلط يُضعف الاثنين معًا لأنه يحمّل التراث ما لا يحتمل، ويُفرغ العلم من معاييره الصارمة.
ثانيًا: الفرق بين دراسة التراث ومأسسته كعلم.
لا خلاف على مشروعية دراسة التراث في سياقه التاريخي أو الثقافي،
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه الدراسة من موضوع بحث وتحليل إلى مرجعية علاجية أو علم تطبيقي.
هنا يحدث الانزلاق المفاهيمي، حيث يتم نقل خطاب غير تجريبي إلى موقع يتطلب أعلى درجات الصرامة العلمية، وهو ما قد يؤدي إلى:
تشويش وعي المجتمع بمعايير العلاج و فتح الباب أمام ممارسات غير مثبتة علميًا مع إضعاف الثقة في المؤسسات الطبية الحديثة.
ثالثًا: البعد المعرفي – خلط المجالات
العلم والدين مجالان متمايزان في المنهج والوظيفة:الدين يجيب عن أسئلة المعنى والقيم والغاية و العلم يجيب عن أسئلة “كيف” عبر الملاحظة والتجربة.
عندما يتم استخدام النصوص الدينية كمصدر لإنتاج معرفة طبية تجريبية، فإننا لا نُثري الدين، بل ننقله إلى مجال لم يُصمم له، ونخضعه لمعايير ليست من طبيعته.
بل إن ذلك قد يؤدي إلى نتيجة عكسية لأنه حين يفشل الادعاء العلمي، يتعرض الرمز الديني نفسه للنقد.
رابعًا: قراءة في السياق المؤسسي
إن إنشاء مركز يحمل هذا التوصيف داخل مؤسسة أكاديمية يثير تساؤلات حول معايير اعتماد البرامج العلمية و حدود التداخل بين الكليات النظرية والتطبيقية و آليات مراجعة المحتوى العلمي قبل مأسسته.
فالمؤسسة الأكاديمية ليست مجرد منصة لنشر الأفكار، بل هي جهة مسؤولة عن تحديد ما يُدرّس باعتباره علمًا، وما يُدرس باعتباره تاريخًا أو فكرًا.
وهذا التمييز ليس شكليًا، بل جوهري، لأنه يرتبط مباشرة بصحة الإنسان وسلامة المجتمع.
خامسًا: من الأكاديمية إلى السياسة – لماذا يُتخذ مثل هذا القرار؟
هنا ننتقل من التحليل المعرفي إلى قراءة أوسع في السياق السياسي والاجتماعي.
قد يُفهم هذا النوع من القرارات في إطار البحث عن الشرعية الاجتماعية حيث يُستخدم الخطاب الديني كوسيلة لتعزيز القبول الشعبي، حتى داخل مؤسسات يفترض أنها علمية.
وقد يكون الهدف هو التوازن مع التيارات المحافظة في محاولة لاحتواء أو استرضاء اتجاهات ترى في الحداثة العلمية تهديدًا للهوية.
وقد يكون، وهو الأرجح غياب الحسم في تعريف الدولة لدورها العلمي
حين لا يكون هناك خط فاصل واضح بين ما هو علمي وما هو رمزي أو ثقافي.
سادسًا: الدفاع الحقيقي عن الدين… وعن العلم
المفارقة أن مثل هذه المبادرات قد تُقدَّم باعتبارها دفاعًا عن الدين، بينما هي في جوهرها تضعه في موضع لا يحتاج إليه.
الدين لا يحتاج إلى إثبات علمي مصطنع، لأنه ليس نظرية فيزيائية ولا تجربة معملية.
والعلم لا يمكن أن يقبل مرجعيات غير قابلة للاختبار، لأنه يفقد بذلك جوهره.
إن احترام كل مجال يكون بالحفاظ على حدوده، لا بخلطها.
أختتم كلامي بأنه حين يختلط الطريق تتوه الحقيقة. فليست المشكلة في استدعاء الماضي، بل في طريقة استدعائه.
فالأمم لا تتقدم حين تعيد إنتاج تراثها في صورة علوم، بل حين تفهمه في سياقه، وتبني فوقه أدوات جديدة للمعرفة.
وحين تتحول المؤسسات الأكاديمية إلى ساحات لإعادة تعريف العلم وفق اعتبارات غير علمية، فإن الخطر لا يكون على الحاضر فقط، بل على مستقبل المعرفة ذاته.
لأن السؤال الحقيقي ليس: هل هذا تراث نحترمه؟ بل هل هذا علم نُعلّمه؟
وبين السؤالين، يتحدد مصير أمة كاملة:
إما أن تمضي إلى الأمام، أو أن تنظر إلى الخلف… وتظن أنها تتقدم.