حين تستمع إلى أغنية " إمسك في إيدي "، الأغنية الدعائية لـ لا تشعر أنك أمام عمل غنائي عابر، بل أمام لحظة إنسانية مكتملة، كأنها مشهد افتتاحي طويل لفيلم إفريقي كبير، يبدأ من القلب وينتهي عند فكرة الوحدة.
هكذا اختارت الشاعرة مي منصور أن تكتب، وهكذا اختار الملحن أن يسمعنا نبض القارة، في عمل يعبر بصدق عن روح مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية في دورته الخامسة عشرة، دورة يوسف شاهين "حدوتة مصرية"، فمنذ الجملة الأولى "امسك في إيدي واوعى لحظة تسيب"، تضعنا الأغنية أمام مفتاحها الدلالي الأساسي : اليد، فهي ليست مجرد يد حبيب، بل يد إنسان لإنسان، دعوة مفتوحة للتقارب، للتشارك، ولتجاوز كل ما يمكن أن يفرق.
هنا تتحول اللغة البسيطة إلى خطاب إنساني عميق، يتقاطع بشكل مباشر مع فلسفة المهرجان، الذي لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يسعى لخلق حالة من التواصل الحقيقي بين شعوب القارة الإفريقية، وتتسع الدائرة أكثر حين تقول الكلمات " مش مهم اللون "، تلك الجملة التي تبدو عفوية في ظاهرها، لكنها في سياق مهرجان إفريقي تحمل حمولة رمزية كبيرة، فهي إعادة تعريف للهوية، ليس بوصفها اختلافًا، بل بوصفها تنوعًا داخل وحدة أكبر، ونفس الروح التي طالما آمن بها يوسف شاهين، حين كان يرى في السينما مساحة للإنسان، لا للجغرافيا.
الأغنية لا تظل أسيرة الخطاب العاطفي، بل تتحرك تدريجيًا نحو حالة جمعية، من "إيدي" و" إيدك "، إلى " نمشي الطريق مع بعض"، فنحن هنا أمام انتقال ذكي من الخاص إلى العام، من الفرد إلى الجماعة، وكأن النص نفسه يعيد إنتاج فكرة المهرجان: أفلام متعددة، أصوات مختلفة، لكن في النهاية تجربة واحدة مشتركة.
أما على مستوى اللحن، فقد اختار هيثم الخميسي أن يذهب مباشرة إلى روح إفريقيا، لا إلى صورتها النمطية، فالإيقاع هنا هو البطل الحقيقي، بضرباته المتكررة التي تشبه دقات القلب، والتي تخلق حالة من الاندماج الجماعي، لا تعقيد موسيقي مفتعل، بل بساطة ذكية تسمح للجميع أن يشارك، أن يردد، أن يصبح جزءًا من الأغنية، وكأننا أمام نشيد، لا مجرد أغنية. هذا الإيقاع، القائم على التكرار والحركة، يعكس طبيعة الموسيقى الإفريقية التي لا تُسمع فقط، بل تُعاش، وهو اختيار موفق، لأنه يترجم بصوت ما يقوله النص بالكلمات: نحن معًا، نتحرك معًا، ونحلم معًا. ويأتي الفيديو المصاحب ليكمل هذه الصورة، حيث يشارك نجوم المهرجان في حالة من البهجة الصادقة، بلا تكلف أو استعراض، وجوه مختلفة، ملامح متعددة، لكن ابتسامة واحدة، هنا تتحول الأغنية إلى مساحة لقاء، لا مجرد عمل فني، وتصبح الكاميرا شاهدًا على لحظة إنسانية نادرة، تتجسد فيها فكرة المهرجان بشكل حي.
في النهاية، يمكن القول إن " إمسك في إيدي" نجحت في أن تكون أكثر من أغنية دعائية، بل أصبحت تعبيرًا فنيًا عن رؤية، رؤية ترى في الفن وسيلة للتقارب، وفي السينما لغة مشتركة، وفي إفريقيا قلبًا واحدًا ينبض بإيقاعات متعددة. هي أغنية تقول ببساطة: لسنا بحاجة إلى الكثير لنتقارب .. فقط "إيد" تمتد بصدق.