إسلام عوض يكتب لـ””: جمهورية الترانزيت. المخطط الشيطاني لمحاصرة الهوية العربية
في غمرةِ الغبار الذي يبتلعُ سماءَ غزة، وبينما تُهدمُ البيوتُ لتستحيلَ أضرحةً للشاهدين والشهداء، ثمةَ ركامٌ من نوعٍ آخر يُشادُ في الخفاء؛ ركامٌ هندسيٌّ لا يُبنى بالحجر، بل بصفقاتِ “الترانزيت” وحقائبِ السفر.
هنا تبرزُ رواندا، لا كجغرافيا أفريقيةٍ نابضة، بل كـ “مختبرٍ دولي” يُرادُ له أن يكونَ المقصلةَ التي تُذبحُ عليها الهويةُ العربية، والواجهةَ التي تمنحُ جريمةَ التهجيرِ “صكَّ براءةٍ” تحت مسمياتٍ إنسانيةٍ مراوغة.
فلسفةُ المَحو: حين تُباعُ الجغرافيا وتُشترى الذاكرة
إنَّ ما نُطلقُ عليه اليوم “جمهورية الترانزيت” هو الانحدارُ الأخلاقيُّ الأبشعُ في النظامِ العالميّ المعاصرإنها فلسفةُ “خصخصةِ النكبات”، حيث تتحولُ الشعوبُ المطالبةُ بحقوقها التاريخية إلى “أعباءٍ لوجستية” تُشحنُ عبر القارات.
نموذجُ رواندا، ليس في حقيقته إلا “تبييضاً” للتطهير العرقي؛ محاولةٌ خبيثةٌ لتحويلِ طردِ الفلسطيني من أرضه إلى “رحلةِ عبورٍ” نحو وطنٍ بديل، يُبنى على أنقاضِ سيادةِ الدولِ المنهكةِ بالديونلقد انتقل هذا المخطط في عامي 2025 و2026 إلى الهياكل التنفيذية؛ حيث كشفت التقارير عن تدشين “مديرية الاستيطان والهجرة” التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، وهي هيكل إداري ومالي ضخم مهمته هندسة “إفراغ غزة” عبر إغراء دول العالم الثالث بحزم مساعدات مليارية
إنها “سوق نخاسة” دولية، تُعرض فيها كرامة الشعوب للبيع في مزادات الترانزيت العابر للحدود.
هندسة “الجوع الصامت” ومالية الإبادة
المخطط لا يعتمد فقط على “النقل”، بل على استراتيجية “الإفقار المتعمد” وجعل غزة مكاناً غير قابل للحياةإن تدمير السجلات المدنية، والجامعات، والمستشفيات، لم يكن عبثاً عسكرياً، بل هو “تصفية للمجتمع المدني” لإجبار النخبة المثقفة على قبول الترانزيت كخيار وحيد للنجاة.
يرافق ذلك مساعٍ دولية لإنشاء “صناديق ائتمانية” تحت مسميات إعادة الإعمار، غرضها الخفي تمويل “حوافز الخروج”، وهو ما يضع العالم أمام أكبر عملية “رشوة تاريخية” لتصفية قضية وطنية بتمويلٍ دوليٍ مشبوه.
الصخرةُ المِصرية: إجهاضُ “الترانسفير” بيقينِ التاريخ
لم يكن لـ “مطارِ الترانزيت” أن يُصبحَ خياراً في مَخيلةِ الاحتلال، لولا الصدمةِ الكبرى التي تلقاها المخططُ الصهيونيُّ على أبوابِ سيناءلقد وقفت مصرُ، بكل ثقلِها التاريخي وجبروتِ جغرافيتها، صخرةً عاتيةً تحطمت عليها أوهامُ التهجيرِ القسريّ.
إنَّ الموقفَ المصريَّ لم يكن مجردَ إجراءٍ حدودي، بل كان “فعلَ إيمانٍ” بقوميةِ الصراعلقد أدركت القاهرة، ببصيرتها الاستراتيجية، أنَّ خروجَ الفلسطيني من غزة هو بدايةُ النهايةِ لقصةِ الحقّفكان الرفضُ المصريُّ القاطعُ هو “الفعلَ الذي حبسَ النكبةَ في القمقم”، وأجبرَ شياطينَ الهندسةِ الديموغرافيةِ على البحثِ عن مرافئَ بعيدةٍ في أفريقيا (مثل أرض الصومال أو الكونغو)، بعد أن أُوصدت في وجوههم بواباتُ التاريخِ والجوار.
إنَّ مصر بقرارها السيادي لم تدافع عن حدودها فحسب، بل دافعت عن جوهر القضية الفلسطينية من التذويب، مستندةً إلى ترسانةٍ من قراراتِ الشرعيةِ الدولية وقراراتِ الأمم المتحدة التي تُحرّمُ التغييرَ الديموغرافيَّ القسريَّ وتعتبرُهُ جريمةً لا تسقطُ بالتقادم.
تصفيةُ الهوية: العزلُ خلفَ جدرانِ المسافات
إنَّ اختيارَ “رواندا” كواجهةٍ للتهجير هو استراتيجيةٌ لـ “العزلِ الوجداني”نقلُ الكتلةِ البشريةِ إلى أدغالِ أفريقيا يهدفُ إلى قطعِ الحبلِ السريِّ الذي يربطُ الإنسانَ الفلسطينيَّ ببيئته العربيةإنها محاولةٌ لـ “تذويبِ الذاكرة” في محيطٍ غريب، حتى يستحيلَ حلمُ العودةِ إلى أسطورةٍ تتناقلها أجيالٌ فقدت بوصلةَ الأرض.
هذا المخطط يتماهى مع ما يُطرح حول “غزة الساحلية الجديدة”، وهي رؤية استثمارية وقحة تسعى لتحويل أنقاض القطاع إلى منتجعات سياحية فاخرة بعد طرد سكانها الأصليين؛ حيث يُراد استبدال “مآذن غزة” بخرسانة سياحية باردة، ومحو الذاكرة العربية للأرض لتصبح مجرد “عقار” للبيع.
الرؤيةُ الاستشرافية: نكبةٌ ناعمة. وصمودٌ مُقدس
إذا قدّر لهذا النموذجِ أن يمر، فإننا سنشهدُ ولادةَ “الاستعمارِ الناعم”، حيث لا تُهجّرُ الشعوبُ بالسياطِ فقط، بل بإغراءاتِ “الترانزيت”لكنَّ هذا المشروعَ يصطدمُ بحقيقةٍ واحدة: أنَّ الفلسطيني، المعتصمَ برباطِ الدمِ مع شقيقته مصر، يدركُ أنَّ الأرضَ ليست مساحةً للعيش، بل هي كينونةٌ وهوية.
مستقبلياً، سيظلُ الرهانُ معقوداً على “الثنائيةِ الصلبة”: صمودُ الغزيِّ في خندقه، وحراسةُ مصرَ لبوابةِ الوعيِ العربيإنَّ نموذجَ رواندا سيسقطُ، لأنَّ الهويةَ العربيةَ ليست “حقيبةَ سفر” تُودعُ في مخازنِ الترانزيت.
كما أنَّ التطوراتِ القانونيةَ في محكمةِ العدلِ الدولية بدأت في ملاحقةِ “دول الاستقبال” بتهمةِ التواطؤ في النقلِ الجبريِّ للسكان، مما يجعلُ “جمهورية الترانزيت” فخاً سياسياً وقانونياً لكل من ينخرط فيه.
لا وطنَ إلا حيثُ زُرعت الروح
إنَّ “جمهورية الترانزيت” هي الوجهُ القبيحُ للحداثةِ الاستعمارية، ومحاولةُ رواندا لشرعنةِ التهجيرِ لن تُكتبَ لها الحياةُ ما دامت الجغرافيا تتنفسُ باللغةِ العربيةفلسطينُ ليست مسألةً لوجستيةً تُحلُّ بصفقةِ مساعدات، بل هي قضيةُ وجودوسيذكرُ التاريخُ أنَّ “وحدةَ المصير” المصريةَ الفلسطينية كانت هي المِحورَ الذي منعَ الأرضَ من أن تميدَ بأهلها.
ستظل غزة بوصلة الأحرار، وستظل مصر حصن العروبة المنيع، وستبقى “جمهوريات الترانزيت” مجرد عار يلاحق مصمميه، فالأرض تعرف أصحابها، والروح لا تستقر إلا حيث نبتت أول مرة.