غيّرت كان يتحدّث عنها وكأنها ليست مجرّد بلد زاره، بل مكان عرفه منذ زمن بعيد، كأن بينه وبينها كلمات صديقي محمد لم تغادرني، لأنه لم يكن يروي تجربة سائح ذهب للترفيه والاستكشاف، بل كان يصف حالة شعورية عميقة، أشبه برحلة داخل نفسه
قلت صمت قليلاً، ثم قال: "الأهرامات وضعتني في حالة من التشتت الجميل، شعرت للحظة أنني كنت مصرياً قديماً"
بدت الجملة غريبة في البداية، لكنها خرجت منه كان يتحدث عن شعور لا يشبه الانبهار السياحي العابر، بل عن ارتباط روحي خفي، كأن المكان أيقظ داخله شيئاً نائماً منذ سنوات
منذ تلك الرحلة، يعود إليها كلما شعر بالضياع أو الإرهاق، أخبرني مرة أنه في شوارع القاهرة شعر بخفة لم يعرفها من قبل، وأن الضجيج الذي يشتكي منه كثيرون بدا له مألوفاً بطريقة غريبة، حتى الزحام أحسّه حيّاً ودافئاً، لا خانقاً
ورغم أنه من محبّي السفر، زار بلداناً كثيرة واختبر ثقافات لم تكن الرحلة مجرد تغيير مكان، اكتشف جوانب جديدة من شخصيته، وصار أكثر ميلاً للتأمل، وأكثر قدرة على حتى علاقته بالسفر تغيّرت، فلم يعد يبحث عن الوجهات بقدر ما أصبح يبحث عن الإحساس الذي تمنحه الأماكن للروح
كل ذلك جعلني أتساءل: من نكون خارج بيئتنا المعتادة؟ وهل نصبح أشخاصاً مختلفين عندما نبتعد عن كل ما يعرّفنا
الاختصاصية النفسية أليسا رشدان ترى أن السفر ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل مساحة نفسية تكشف وتشرح أن الشخص عندما يخرج من بيئته اليومية وروتينه المعتاد، يبتعد تدريجاً عن الأدوار التي اعتاد تعريف نفسه من خلالها؛ كدور الموظف، أو الطالب، أو الأب والأم، ويقترب أكثر من نسخةٍ أكثر صدقاً وعفوية من ذاته، نسخة أقل خضوعاً للتوقعات والضغوط اليومية
ما عاشه فبحسب رشدان، السفر لا يختبر قدرة الإنسان على الاستمتاع فحسب، بل يكشف أيضاً طريقة تفكيره، ومستوى مرونته النفسية، وكيفية تعامله مع التغيير وعدم اليقين
وتوضح أن الوجود في بيئة جديدة، وبين أشخاص وثقافات وتجارب مختلفة، يفعّل لدى الإنسان لذلك، نرى بعض الأشخاص يصبح أكثر جرأة وانفتاحاً وعفوية خلال السفر، بينما يشعر آخرون بقلق أكبر أو بحاجةٍ مستمرة إلى التنظيم وهذه الردّات لا تكون عشوائية، بل تعكس جوانب أعمق من الشخصية وطريقة تنظيم المشاعر والتعامل مع المجهول
ربما لهذا السبب شعر ففي إحدى المرات، أخبرني كيف أضاع الطريق لساعات كان من المفترض أن ينزعج أو يتوتر، لكنه جلس في مقهى شعبي صغير، راقب الناس، واستمع إلى أحاديثهم، كأنه لم يكن قال لي لاحقاً: "للمرة الأولى وترى رشدان أن التفاصيل الصغيرة أثناء السفر تكشف الإنسان أكثر من المواقف الكبيرة نفسها؛ كيف يتصرف إذا تأخرت الرحلة؟ كيف يتعامل إذا ضاع الطريق أو تبدّلت الخطة فجأة؟ هذه اللحظات البسيطة تُظهر مستوى الصبر، والقدرة على ضبط الانفعالات، وتحمل الإحباط، والمرونة النفسية تحت الضغط، لأن الإنسان خارج بيئته المعتادة يفقد "الروتين النفسي" الذي يمنحه شعوراً بالسيطرة والأمان، فتظهر شخصيته بشكل أوضح
وتشير الدراسات النفسية إلى أن التعرّض لأماكن وتجارب جديدة يحفّز الدماغ على التكيّف والاكتشاف، خصوصاً في المناطق المرتبطة بالمشاعر لذلك يشعر كثيرون خلال السفر بأنهم أقرب إلى حقيقتهم، أو أنهم يكتشفون أجزاء من أنفسهم كانت خامدة تحت ضغط الحياة اليومية، كحب المغامرة، والاستقلالية، والعفوية، أو حتى الحاجة العميقة للهدوء
في النهاية، السفر ليس مجرد عبور بين المطارات فرصة نرى فيها أنفسنا خارج السياق المعتاد، ونكتشف كيف نتغيّر عندما تتبدّل الوجوه وربما النسخة التي تظهر منّا خلال السفر ليست نسخة مختلفة تماماً، بل النسخة الأقرب إلى حقيقتنا
اقرأ أيضاً في آفاق عربية
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
💬 كن أول من يعلق! وقول رأيك
شاركنا رأيك حول هذا المقال، وناقش مع الآخرين في التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.
كن أول من يشارك برأيه!