في وقت كانت فيه سماء مدينة وضواحيها تضج بأصوات الانفجارات وغارات العنيف خلال شهري آذار ونيسان، كانت هناك أصوات أخرى تنبعث من قلب "المعهد الوطني أصواتٌ لم تكن تطلب سوى الحق في الجمال والسكينة، إنها أنغام البيانو التي أصرّت أن تكون أعلى من صوت الحرب، وأبقى من أثر الدمار
كونسرفتوار صيدا يحتضن حفلاً استثنائياً وسط الغارات
بدعوة من رئيسة الكونسرفتوار الوطني، الدكتورة، وبإشراف نائبة رئيس القسم الغربي ورئيسة قسم العزف الجماعي لآلة البيانو في فرع صيدا الدكتورة ميرا زنتوت، شهد الفرع حفلاً استثنائياً لطلاب القسم بعنوان "البيانو في لم يكن هذا الحدث مجرد احتفالية موسيقية عادية، بل كان بياناً إنسانياً صارخاً وتجسيداً حياً للمقاومة الثقافية التي تثبت أن الإبداع لا يعرف التراجع، وأن الموسيقى هي الملجأ الحقيقي والأخير للروح حين تضيق بها سبل الواقع
الكونسرفتوار الوطني في صيدا ملاذ نفسي وثقافي للطلاب زمن الأزمات
يتجلى دور الكونسرفتوار الوطني العالي للموسيقى في هذه الظروف كحارس للقيم إن إصرار المؤسسة على إبقاء أبوابها مفتوحة في فرع صيدا، واستمرار التمارين رغم المخاطر الأمنية، يعكس رؤية عميقة تتجاوز التعليم الأكاديمي فالكونسرفتوار اليوم لا يخرّج موسيقيين فحسب، بل يبني حصوناً داخلية للطلاب، تمنحهم التوازن والصلابة إنها رسالة المؤسسة التي تؤمن بأن الفن هو الأداة الأقوى لإعادة بناء الإنسان وترميم ما تهدمه الحروب في النفوس، محوّلاً المؤسسة إلى شعلة ضوء لا تنطفئ مهما اشتدت العواصف
يستوجب هذا الحفل الانحناء أمام شجاعة سبعة طلاب وأهاليهم، الذين استحقوا هؤلاء الصغار والفتيان، برفقة عائلاتهم، اجتازوا طرقات الخوف طيلة أسابيع القصف لم يمنعهم خطر الحرب من البحث عن مساحة الضوء، فحملوا نوتاتهم الموسيقية كدروع، وحوّلوا أصابعهم المرتجفة من رهبة القصف إلى أدوات تبث الأمل، ليؤكدوا أن الإرادة اللبنانية عصية على الانكسار
مواهب معزوفات أمل تتحدّى الحرب
افتتحت التلميذة لامار أرقادان الحفل بالنشيد الوطني اللبناني ومعزوفة "موطني"، لتربط الموسيقى بالأرض والهوية في لحظة وجدانية مهيبة، قبل أن تعود لاحقاً وتوالت الإبداعات مع الشقيقتين كلاريتا وفيرونيكا حليحل في مقطوعة ثنائية (Piano Ensemble)، أظهرت انسجاماً فائقاً يتحدى فوضى الخارج
أما الطالب أمير صالح، فقد أبدع 1"، إضافة إلى تميزه ومن جانبها، قدمت تيريزا حليحل أداءً منفرداً 17"، بينما أضفت الشقيقتان آية ويارا ديراني لمسة من السحر الموسيقي من خلال عزفهما المشترك الذي عكس روح التعاون والمحبة
صيدا تؤكد من جديد: الجمال ينتصر على الدمار
لقد كان الحفل تجسيداً للمقولة التي تصدرت برنامجه: "رغم الحرب في إن اختيار فرع صيدا ليكون مسرحاً لهذا التحدي، يحمل دلالات تربوية وفنية عميقة، فالموسيقى تبقى فعلاً وجودياً، ومساحة حرية يحتاجها الإنسان ليتنفس بعيداً عن ضغوط الحرب
هؤلاء الطلاب، بفضل تفاني الدكتورة ميرا زنتوت التي واكبتهم تفي زمن الحرب، لم يتعلموا فقط أصول العزف، بل تعلموا كيف يصنعون إنهم يثبتون للعالم أن في صيدا، وفي كل لبنان، جيلاً يواجه الموت بالجمال، والدمار بالنغم، ليظل صوت الحياة هو الغالب دائماً